حفل إطلاق كتاب (ضد المكتبة) للكاتب والروائي خليل صويلح

تدعوكم دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع لحضور حفل إطلاق كتاب (ضد المكتبة) للكاتب والروائي خليل صويلح، وذلك يوم السبت 2017/11/4 من الساعة السادسة وحتى التاسعة مساء وذلك في نادي المحاربين القدماء – مقابل حديقة السبكي.

دار نينوى تصدر ترجمة جديدة لمثنوي الرومي

دمشق –7 آب/أغسطس 2017

أعلنت دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع أخيراً، عن إصدار ترجمة جديدة للمخطوط الشعري الصوفي “المثنوي المعنوي”، الذي يُعتبر أهم الأثار الشعرية الباقية عن مولانا جلال الدين الرومي، وقد أعاد ترجمتها عن الفارسية الدكتور علي زليخة ضمن 6 مجلدات تتضمن قرابة 30 ألف بيت من الشعر مع شروح تلخيصية.

وجاءت هذه المجلدات الست الجديدة، بمثابة تتويج لعمل الدار في مجال النشر لمدة 18 عاماً منذ آب 1999. واعتبرتها إضافة قيّمة إلى جهودها الأساسية خلال السنوات الأخيرة لدعم عملية نشر كافة الأعمال المتعلقة بجلال الدين الرومي وابن عربي وعبد الغني النابلسي وغيرهم من أعلام الصوفية.

ويقول المترجم الدكتور علي زليخة في مقدمة الكتاب: “كتاب المثنوي، هو أُصولُ أُصولِ أُصولِ الدِّين، في كشفِ أسرارِ الوصولِ واليقين، مثلُ نوره كمِشكاةٍ فيها مِصباح، يُشرِقُ إشراقاً أنورَ من الإصباح، وهو جِنانُ الجَنانِ، ذو العُيونِ والأغصانِ، مِنها عَينٌ تُسَمَّى عِنْدَ أبناءِ هذا السَّبيلِ سلْسبيلاً، وعِند أصحابالمقامات والكرامات خيرٌ مقاماً وأحسنُ مقيلاً؛ الأبرارُ فيهِ يأكلونَ ويشربون، والأحرارُ مِنْهُ يَفرحونَ ويَطربون، وهو كَنيلِ مِصْرَ شرابٌ للصَّابرين، واقتَصَرنا على هذا القليل، والقَليلُ يدلُّ على الكثير، والجُرعَةُ تَدلُّ على الغَدير، والحَفْنَةُ تَدلُّ على البيدر الكبير”.

وتُعتبر مخطوطة المثنوي المعنوي، أهم الأعمال الشعرية لمولانا جلال الدين الرومي، الذي بدأ في نظمه عام 657 هـ، ووضع فيه خُلاصة أفكاره وفلسفة طريقته الصوفية، ليكون منهلاً لجميع مريديه فيما بعد، وقد صدر هذا الكتاب في 6 مجلدات منقولة عن لغته الأصلية الفارسية، إلى العديد من اللغات العالمية ومنها العربية.

ويُذكر أنّ دار نينوى أصدرت خلال السنوات الأخيرة العديد من المنشورات والمجلّدات في مجال الأدب الصوفي، ومنها المخطط الانتقادي التاريخي “ميتافيزيقيا جلال الدين الرومي”، و”أنّ محمداً رسول الله.. محمد الصوفي”، “تاريخ التصوّف في الإسلام”، “جلال الدين الرومي والتصوّف”، وقريباً شرح ديوان ابن الفارض في أربعة مجلدات.

دار نينوى تشارك في معرض أبو ظبي الدولي للكتاب 2017

تشارك دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع في معرض أبو ظبي الدولي للكتاب 2017

بمجموعة من أحدث إصداراتها المميزة كما عودتكم دائماً

ويسرنا أن ندعوكم لزيارة جناحنا رقم 11F26 والاطلاع على إصداراتنا واقتناء ما يناسبكم منها.

وتقبلوا فائق الاحترام والتقدير..

دار نينوى تصدر رواية “القديسة بغداد” للعراقي عمار الثويني

دمشق، 19 أكتوبر 2016: عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع التي تتخذ من دمشق مقراً لها وتنشط في نشر الدراسات والأعمال الفكرية والأدبية والثقافية، صدرت رواية “القديسة بغداد” للروائي العراقي عمار الثويني. وهذه هي الرواية الثانية للمؤلف عمار الثويني، المترجم والكاتب الذي يعمل في قطاع الإعلام والاستشارات التسويقية بمنطقة الخليج العربي، حيث صدرت له رواية “في ذلك الكهف المنزوي” عن دار نينوى أيضاً هذا العام.

 

وتقع الرواية في 384 صفحة من القطع المتوسط وتتألف من 12 فصلاً ويتمد الفضاء الزمني لها بدءاً من حرب الخليج الأولى مروراً وانتهاء الحرب ومن ثم حرب تحرير الكويت والحصار ودخول القوات الأمريكية للعراق ووصولاً إلى الوقت الحاضر، حيث تؤشر الأحداث العديدة الشيقة، المونولوجات والحوارات والرسائل في الفصل الأخير لأزمة خطيرة عصفت بالعراق والعراقيين منذ زمن بعيد: اندثار الانسانية.

 

وتدور أحداث الرواية في أحد فنادق العاصمة التركية حيث تضطر الشخصية الرئيسة للرواية، طارق، العائد من العراق، إلى المكوث هناك برفقة العائلة ليلتين بسبب تساقط الثلوج وتأجيل رحلته القاصدة العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث يعيش ويعمل هناك. وخلال إقامته في الفندق، يعثر طارق في حقيبته على دفتر قديم فئة ٣٠ ورقة مع ثلاث صور وضعتها إبنة أخيه فيستذكر أعز أصدقائه الذين رحلوا، ويستحضر الذكريات الجميلة والمؤلمة التي جايلها معهم بدءاً من حرب إيران ومن ثم حرب تحرير الكويت فرحلة الهجرة شطر الأردن ومن ثم السويد مروراً بتغير النظام وزيارته المتكررة.

 

رواية “القديسة بغداد” مكتوبة بلغة طافحة بالمشاعر الانسانية المرهفة والأحاسيس الشفيف تجاه الوطن وبغداد، التي يصفها بطل الرواية في أكثر من موضع بأها “منبع الخير، وأيقونة السلام، وترياق الحياة، وإكسير الجمال، وحاضنة التاريخ، ومنارة الثقافة والحضارة، وأوركسترا الابداع، وقبلة الأدب واللغة، وشهريار الألف حكاية وحكاية، ومنهل الشعر والفن”.

 

ويقول السيد أيمن الغزالي، مديرعام دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، بأن القديسة بغداد ستكون إضافة مهمة للمكتبة الروائية العربية وأحد الأعمال التي يتوقع لها أن تحقق نجاحاً مشهوداً من خلال قدرة الكاتب الواضحة لغة وسرداً وتشويقاً وتسخير الفضاء الزمكاني واستحضار الأحداث المهمة التي شكلت منعطفاً في تاريخ العراق خلال العقود الأربعة الأخيرة، السنين التي شهدت تطورات تاريخية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة.

 

وتجدر الإشارة إلى إن رواية “القديسة بغداد” ستكون متوفرة في جناح دار نينوى المشارك في معرض الشارقة للكاتب 2016، حيث سيحتضن حفل توقيع إشهار الرواية. وسيعرض الجناح أيضاً رواية “في ذلك الكهف المنزوي” للروائي العراقي الثويني، التي تتناول الأحداث التي تلت حرب تحرير الكويت عام 1991.

النيجيري بن اوكري يبحث في بنية الفساد الأفريقية

جائزة نيكول تكتشف إليزابيث هوريم

تستمد رواية “الحلبة” قوتها من بساطتها الرائعة. ويبدو أن هيئة المحلفين التي منحتها الجائزة قد وقفت على هذه البساطة.

تصوروا المفاجأة التي تنتاب امرأة تدفع باباً ثقيلاً باحتراس، فينفتح أمامها فجأة. يبدو أن إليزابيث هوريم أصيبت بمثل هذه الدهشة، بعد حصولها على جائزة جورج- نيكول التي تكافئ مخطوطة أول أعمال كاتب ما. وها هي تجد نفسها في إطار الآداب السويسرية، كما يجد المرء نفسه في حضن أسرة زوج مرعبة لم تتعرف بعدُ على أخلاقها، خصوصاً وإنها تتصرف بتحفظ مصطنع ولطيف في آن واحد معاً. الواقع إن إليزابيث هوريم قد غُمرت بالفضل، بعد أن نشرت دار برنار كامبيش رواية “الحلبة” منذ فترة قصيرة. وليس ثمة ما هو أفضل من هذا، إذا كنت تحلم بالنشر لدى هذا الناشر.

بذلك تكون جائزة نيكول قد كشفت النقاب عن سيدة من أصل فرنسي، قادتها دراساتها الشرقية إلى دمشق، ووضعتها بين ذراعي مستعرب سويسري (برن) فتزوجته ورافقته في أسفاره. عملت إليزابيث هوريم لصالح اللجنة الدولية للصليب الأحمرCICR،وعاشت في كل من غزة والقدس. بعدها انتقلت إلى موسكو، فالقاهرة حيث كان يسافر زوجها الذي التحق بالسلك الدبلوماسي.

بعد عودتها إلى برن قبل عامين، أقامت في مبنى يقع في حي Jupitergasse الإسمنتي، الذي لا يحمل من السمات الأولمبية غير الاسم. فقالت لنفسها “أود الرحيل”. شعرت بالرغبة في التخفف من أثقالها، والعودة إلى السفر بما قلَّ من المتاع، ولترى حياتها مرقومة بالبدايات المتجدَدة. بعد أن أدركت حتمية السرعة التي يهرب بها الزمن، قررت إليزابيث هوريم أن الوقت قد أَزِف لتحقيق ما راودها من أحلام قديمة. كان عمرها قد تجاوز الخامسة والثلاثين عندما انكبت على تعلم العزف على البيانو والقراءة. ولا يسعنا، في الوقت الراهن، الحكم على مستوى عزفها. لكن، في المقابل، بتنا نعرف أن لجنة تحكيم جائزة نيكول لم تخطئ حينما أدركت مواهبها الأدبية المتميزة.

تتميز رواية “الحلبة” ببساطة فريدة وبناء واضح، واعتدال مؤثر.إنها كتابة بيضاء وأسلوب بسيط، وقصةٌ كل ما فيها أنها قصة البساطة. فبطلها كانتان كورفال الذي يلتقيه القارئ، منذ بداية القصة حتى آخرها، شخصية ملولة، ومتخيلة ومِضياعة، تبعاً للأحوال. وهو سلوك بدأ مع لويز، عشيقته التي هجرته إلى أخيه ورافقته إلى أمريكا. فأدار ظهره لكل شيء بدءاً بعمله وانتهاء ببلده، وتوجه إلى تاهيس، وهي مدينة اختارها مصادفة لمجرد إيقاع اسمها الغرائبي. بعد إقامته هناك أصبح الفقدان رفيقه: ضيَّع نينا وكلارا والخادمات، وعمله واحترام الآخرين، والصحة، إلى أن فقد نقوده، وجواز سفره، وملابسه، وأخيراً حياته وهو في حالة خدرٍ كبير. إنها حياة الهزيمة بسبب التخلي.وهي تعبير عن انتحار بطيءغامض الدافع وترداد صدىانتحار أمه، الذي جاء ذكره في الصفحات الأولى من الرواية.

ثمة شيء ينغلق على نفسه. فيبدو كانتان الذي يقع “في الغيظ الغرامي الكبير” فيبداية الرواية، وفي فخ الأشرار الصغار في النهاية، سجين حركة يتكرر فيها كل شيء ليصل حتى الإنهاك النهائي. فخ دائري على غرار تلك الحلبة التي تتفرد بها تاهيس.حلبة تبدو على شكل شارع أعلى من مستوى المدينة، تسكنه طبقة متميزة من الأجانب، الذين ينظمون حياتهم الاجتماعية وفقاً لدائرة هذا الشارع الكاملة “…”

ترى ما الذي يدفع كانتان إلى الرغبة في تحطيم الدائرة والهروب من الحلبة، والذهاب للعيش مع السكان المحليين؟ وما الذي يمنعه من السيطرة على حياته؟ ولماذا تبدو له إمكانية ترسيخ خياراته وكأنها تفلت منه (حينما أراد إعلام رب عمله برغبته في ترك العمل، يفاجأ بأنه مفصول من هذا العمل؟) وما هو ثقل هذه الكينونة التي تقوده إلى منفى يخيّم عليه جو أشبه بالمؤامرة، وتتخذ الأشياء فيه شكلاً حاداً لكل ما يبقى غريباً دائماً؟ إن قوة الرواية ناشئة عن هذه الجاذبية المحيرة التي تمسك بالقارئ حتى النهاية من دون حذلقة أدبية.

Michel Audéta(L’Hebdo,1994)

——————

معركة ضد الموت تندلع في الحلبة

التخييل دائرة سحرية تبدو حياتنا فيها تحت ضوء صافٍ له دلالته: التخييل الحقيقي لا يجعل من الحياة وثيقة تشبه الصورة الضوئية، لكنه يخونها ليتمكن من التعبير عنها بشكل أفضل، ويبسّطها ليدرك تعقيداتها من خلال الإيحاء. إنه يحلم بها بدلاً من الحديث عنها.

رواية “الحلبة” لإليزابيث هوريم نوع من حلم اليقظة، تتحول من خلاله الحياة العادية إلى قَدَر. لو تابعنا المِحن التي مر بها كانتان كورفال، وهو ما يمكن تسميتهبالبطل المضاد، الذي ينتقل من مكان إلى آخر ومن ضعف إلى آخر، لا يقل غربة عن العالم من ميرسو (بطل رواية الغريب لكامو) فجعل نفسه مرفوضاً من المدارات الاجتماعية كلها، حيث أساء جداً لعب دوره،أخيراً يمكن القولبأنه نمط يتفق مع روح العصر- أيإنه مضياع “Loser” آخر…

لكن الأمر يختلف حينما نقرأ “الحلبة” قراءة متعمقة لا تقوم على مفهوم الحد الأدنى الدارج اليوم، أو الكتابة التفكيكية. قصة إليزابيث هوريم تتسم بصلابة ومذاق متميزين. شخصيتها تؤثر فينا تأثير الأبطال الضائعين في أفضل روايات سيمنونSimenon. فنشعر أن حياة كانتان كورفال مكتوب لها أن تكون كارثية كحياة والدته التي ألقت بنفسها من أعلى أحد المباني لتقع بين قدمي ابنها. مع ذلك، لا شيء مُقّرراً سلفاً في حياة هذا الرجل الغامض والشفاف في الوقت نفسه، والذي يبدو أن الحياة “تقوده”، ومع هذا تراه يسعى إلى إيجاد مخرج له. بعد أن رفضته عشيقته منذ الصفحات الأولى وبسبب خطيئة ارتكبها أخوه- غادر أوروبا إلى مدينة تاهيس التي تصور بامتياز المأزق الغريب  بين النهر والصحارى في ما يشبه شرق أوسط رمزي مغضوب عليه. لم يبق سوى يوم واحد في عمله الأول ليجد نفسه بعدها في مكتب غامض من قنصلية ما، فُصِل منها قبل أن يتعرض لاعتداء السكان المحليين الذين أمِل أن يجد بينهم مكاناً لأخوة حقيقية. لكن مسار كورفال الميؤوس منه يبث نوعاً من الكآبة التشيخوفية الناعمة، ولا يتوقف القارئ عن الارتعاش على وقع التوتر الداخلي للقصة.

 

الإنسان في الفخ

لئن كانت رواية إليزابيث هوريم تؤثر فينا، وتبعث الاضطراب في نفوسنا، كما تبعث الموسيقى الحزن في أعماقنا، فذلك لأنها تعيد رسم بطلها بجودة إيحائية نادرة. فالرواية التي تقع على مسافة متساوية بين الدقة الواقعية والإيحاء الحلمي، تضع القارئ في الفخ نفسه الذي يتخبط فيه البطل في ما يشبه الطريق المسدودة التي هي طريق الحياة نفسها، في وسط هذه الحلبة المحاصرة بالساعات الجدارية التي لا نهاية لها، وحلقة الأغنياء المحاطة بضواحمن ضواحي العالم الثالث، حلقة حياة تغلق نفسها على العزلة.

قبل خمسة وعشرين عاماً من هذا التاريخ، كشفت جائزة جورج- نيكول عن موهبة في ريعان الشباب تمثلت بآن- ليز غروبيتي.أما صوت إليزابيث هوريم فقد احتاج إلى زمنٍ أطول لترسيخ نفسه،فكان أكثر نضجاًوثقة حين ظهوره: لا شك أن “الحلبة” رواية كاملة تم الكشف عنها للجمهور في الوقت المناسب، وما يزال جوها وسحرها يشغلنا على الرغم من اختفاء شخصيتها منذ زمن طويل، وما تزال تبعث في نهر الحياة حركة مجهولة.

Jean-Louis Kuffer

24Heures. 1994

—————————-

الحياة على طريقة تاهيس

تلكم رواية جميلة ستحتفظ بها ذاكرتكم لفترة طويلة. فقد برهنت مؤلفتها إليزابيث هوريم،بكتابتها الفعالة والمتناغمة،عن نضج يثير الدهشة. إنها قصة بسيطة تقع في 180 صفحة، تدور أحداثها في جو فتّان.

هي قصة ضياع شاب أوروبي في تاهيس، مدينة الرمال. ضياع يبدأ بالحلبة التي تشكل الشارع الرئيس المرتفع والمحيط بالمدينة المحلية، حتى المركز الذي لا يرتاده الأجانب أبداً. وشيئاً فشيئاً يقع هذا الأوروبي في شرك انبهارٍ سلبي نجحت إليزابيث هوريم في تجسيده عبر تشريحه. يخرج كانتان من هذه الدائرة الخارجية والسطحية إلى الأحياء الداخلية، إلى المدينة (الحياة) الحقيقية، ربما بحثاً عن حقيقته.

لقد استحقت إليزابيث هوريم عن هذه الرواية الأولى جائزة جورج- نيكول التي كشفت عنها أفضل الأقلام السويسرية، واعترفت بأصالتها. وسننتظر ما يصدر لها في المستقبل بفارغ الصبر.

Jacques Poget

L’illustré, 1994

—————–

دوائر في مياه الحتمية

ينظر كانتان كورفال، بطل رواية الحلبة، إلى الحياة كأنها سلسلة من الأحداث غير المفهومة، فينزلق نحو عدم من دون أمواج أو ضجيج كبير. رواية قاسية وبسيطة استحقت إليزابيثهوريم عليها جائزة نيكول.

بعد روايتها الموسومة “الحلبة”،أصبحت إليزابيث هوريم الفرنسية المولودة في عام 1955، سويسرية بزواجها من سويسري، ونالت جائزة جورج- نيكول علم 1994. وقد استحقت هذه الجائزة عن رواية قصيرة تتسم بوضوح مسارها وكتابتها. إنها قصة التخلي عن الذات والفقدان. بعد صدمة غرامية، يغادر كانتان كورفال البالغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً أوروبا إلى مدينة غير معروفة ينتظره فيها عمل طبيعته غير واضحة تماماً. وما إن يصل تاهيس حتى يقدم استقالته من الشركة التي كان عليها تعزيز الكادر الأوروبي فيها، لينتقل إلى وظيفة ثانوية في  إحدى القنصليات. لكنه لم يهتم بعمله هذا على الإطلاق، كما لم يهتم بهذه الحاضرة الواسعة المغبّرة التي هي تاهيس، فبقيت غريبة عنه كغربتهبين الدبلوماسيين الذي كان يعيش على هامشهم.

 

صرحٌ بأسلوب العبث

استقر كورفال في شقة تقع في مركز المدينة، أي الحلبة– شارع دائري طوله ثلاثة عشر كيلومتراً  اعتادت الجاليات الأجنبية على السكن فيه – لكنه لم يعاشر سوى نينا براسكين، التي اختارت بدورها، أن تسكن خارج الحلبة، في آخر فناء بيت قديم من أحد الأحياء الشعبية تفوح منه الروائح الكريهة. باستثناء هذه المرأة، يبدو أن عدم الفهم، إن لم نقل الاحتقار قد حكَم علاقة كانتان بالآخرين: فقد أخلّت مدبرات المنازل (الخادمات) بالتزاماتهن تجاهه، وتجاهله زملاؤه، وازدراه السكان المحليون ازدراء المتغطرسين. وزاد على ذلك كله الإهانة التي وجهها إليه القنصل بعد تسريحه من العمل، تزامناً مع اللحظة التي كان يفكر فيها بالاستقالة.

سارت الأمور كلها كما لو أن كانتان لا يتحكم بوجوده، وقَبِل الهزيمة مسبقاً. فراحَ يرى الحياة أشبه بسلسلة من الأحداث غير المفهومة، كذلك المثلث الأبيض لشاشة السينما المنصوبة في الهواء الطلق أمام البحر: “عجز عن تخيل أن ثمة فيلماً عُرض على تلك الشاشة أبداً. رأى فيها، بالأحرى، صرحاً غريباً شُيّد فوق هذا الشاطئ ليمثل “العبث” أو “الغياب”- أو شيئاً آخر من هذا القبيل.

الهروب العابر، والانتقال العبثي لم يعيقا انزلاقه نحو العدم: غيابهمدة أسبوع في أزغا، حيث اكتشف مناظر عظيمة برفقة كلارا التي مثلت اللحظة السعيدة الوحيدة في هذه القصة، لكنها بقيت لحظة بلا مستقبل. على الرغم من نصائح زميله بول غودان، أصرَّ كانتان على مغادرة الحلبة إلى حي يسكنه أهل البلاد، واعتاد على قضاء فترات بعد الظهر في مقهى لا يعيره رواده أي انتباه. حاول أن يكسب صداقة شاب عاطل عن العمل من خلال إعطائه بعض الدروس في اللغة الإنجليزية، لكن الأمر قاده إلى الوقوع في شرك تعرض فيه لضرب مبرح، وسرقة ما يملك من قبلهذا الشاب وعصابته في حالة من الانفجار الذي لا مبرر له، ويتناقض مع وحدة الإيقاع السردي الذي لم يحدث فيه أي شيء تقريباً، بل وقع ما لا تحمد عقباه.

تنازل كانتان عن فكرة الوشاية بذلك الشاب، كما رفض العون الذي اقترحه غودان عليه. ولكي يشغل انتظاره قبل الرحيل إلى أوروبا، ذهب للتجديف على قارب في نهر أوفير حيث كان مصيره بالانتظار.

المياه القاتلة

تكمن قوة رواية الحلبة في أسلوبها المتقشف ونبرتها القريبة من الملاحظة، إذ لا ترفع المؤلفة صوتهاولا تعبر عن دهشتها، مكتفيةً بتسجيل ما يحدث لبطلها. يستند بناء القصة، الذي يجمع الفاعلية بالإيحاء، إلى نموذج الدائرة- وهي هنا لا تمثل الاكتمال إنما الانعزال والتكرار والحتمية. كما يستند إلى شبكة كثيفة جداً من الصور التي ترتبط بالماء (المطر، النهر، البحر)، وهو عنصر أمومي نفهم منه، في النهاية، ومن خلال التلميحات المتواترة إلى شخصيات تغرق، الروابط الغامضة والقوية التي تربطه بأم اختفت باكراً جداً. وهذا كله جاءنا تلميحاً لا تصريحاً وبحساسية وبساطة.

Isabelle Martin

Journal de Genève, 1994

——————————————————————————–

الحلبة، أو الصراع الأخير مع الموت

انطلاقة رائعة للكاتبة الشابة من أصل فرنسي تعيش في برن

الحلبة رواية التصدعات. تبدأ القصة بهجر لويز لعشيقها كانتان كورفال. فيقرر السفر إلى تاهيس، وهي عاصمة شرقية غامضة وجد فيها عملاً. وفيها تمر الأيام هادئة بل شديدة الهدوء. وهو ما بعث الضجر في نفس كانتان من دون أن ينتبه لذلك. وبوصفه موظفاً في قنصلية، راح يقضي وقته في وضع التأشيرات على جوازات السفر. بدأ حب الحياة يهرب منه تدريجياً في غرفة انتظار الموت التي تمثلها تاهيس. في المرحلة الأولى من إقامته، اتخذ له سكناً في الحلبة”وهي شارع عريض يحيط بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم”. وقد جرت العادة أن يسكن الأجانب كلهم فيها. صار يدور حول نفسه في تاهيس كما تدور حياته. الحلبة مسرح يخوض فيه معركته الأخيرة قبل أن يسلك الدرب الذي يفرض نفسه.

رواية إليزابيث هوريم تستلهم الوجودية بطريقة أكيدة غير مباشرة. وفي أطرافها مفهوما العبث والاستلاب، فتقترب بهذا من رواية الغريب لألبير كامو. كانتان يتحول تدريجياً إلى إنسان غريب عن نفسه، وعن الآخرين. فلا أصدقاء حقيقيين له، بل مجرد معارف. صحيح أنه غامر مرة، لكنها مغامرة خلَت من أي نوع من الانفعال. حتى إنه لا يبحث عن معنى لوجوده، فكل ما يشغله هو أن يعيش. حاول أن يجد مهرباً من هذه الرتابة بانتقاله من الحلبةوالاستقرار في أحد بيوت تاهيس القذرة. فحكم على نفسه بعزلة أكبر. بعد أن كان تواصله مع سكان الحلبة من الغربيين وهماً وتافهاً، تبين له أن عدم القدرة على التواصل مع السكان المحليين أكثر بعداً، لجهله لغتهم وثقافتهم. هنا، تقدم لنا رواية إليزابيث هوريم مستوى جديداً للقراءة، هو مستوى عدم الفهم المتبادل الذي يحكم الغرب بالشرق. آخر انتفاضة يقوم بها كانتان تتمثل في الاستقالة من العمل والعودة إلى أوروبا، لكنه يفشل في الحالتين. فقد أعفاه القنصل من عمله قبل أن يتمكن من إخباره بقراره. قبل بضع أيام من سفره اعتدَت عصابة من الزعران على كانتان. وهنا بدأ يعيش اللحظة القصوى من استلابه (اغترابه). بينما كان بطل الرواية (ربما تكون عبارة البطل المضاد أنسب هنا) يتعرض لضرب مبرّح ،سمع عدة صرخاتعدّها غير لائقة:

“هل هناك ثمة من يصرخ على هذا النحو؟” لم يفهم، إلا بعد وقت غير محدود أن “من كان يصرخ ليس سواه”.

بعد أن تعافى كانتان، أزاح الستارة عن وجوده. وحينما أصبح نوتّي موته، استأجر زورقاً تركه يهيم فوق مياه نهر أوفير، الذي يعبر مدينة تاهيس. فتكفلت السدود بسحق الهيكل الفارغ الذي صار إليه وجود كانتان.

Femmes Suisses.1994

—————————————-

مدينة خيالية

تتميز رواية إليزابيث هوريم بخطابية بلاغية رهيبة. فما إن يكمل القارئ عشرين الصفحة الأولى حتى يشعر أنه في بيته في تاهيس، المدينة الخيالية التي تشكل الإطار الذي تدور فيه أحداث رواية “الحلبة“.

توجت هذه الرواية الأولى بثلاث جوائز، مع أنها لا تقدم رؤية شاملة (بانورامية) على طريقة بلزاك: فلئن فرضت هذه المدينة نفسها عليّ بوضوح لا نقاش فيه فذلك لأن التفاصيل التي لا أعيرها حتى الآن أي اهتمام، لكنها تتراكم فوق بعضها، وتنتهي إلى تكوين مواطنيّة سامية لي، فأتحول مع استمرار الرواية إلى واحدة من سكان تاهيس، من دون وعي مني.

الحقيقة أن من ساعدني في ذلك هو كانتان كورفال، الشخصية الرئيسة في الرواية. فقد غادر كورفال أوروبا لتولي عمل في تاهيس، فنحطّ فيها رحالنا معه، ونكتشف المدينة بعينيه. لكن كانتان كورفال لا يرى سوى تفاصيل. وهو قصر نظر ذو دلالة (إذ يضع المدينة بين أيدينا)، لكنها نظرة تفكيكية أيضاً: إذ إن توقفه على التفاصيل رفضٌ لإعطاء اي معنى للعالم والكائنات، أو لا يعطيها سوى معنى بشع. هاكم على سبيل المثال كيف تختصر نظرة كانتان إلى إحدى السكرتيرات العاملات في القنصلية فلا يبقى منها سوى: شعرها الأصهب المربوط (شينيون)، وذراعيها الضخمتين (بلحمها الرخو واللبني)، واسمها “الذي يثير لفظه القرف في النفس!” كانتان لا يعطي للعالم سوى أهمية محددة ومحدودة- والعكس صحيح- كل ما حوله يتلاشى: الصديقة والعشيقة تغادران المدينة؛ كأنها سئمت من أن تُعطى لبطل لا يستخدمها إلا القليل.

يأتي كانتان كورفال على العلاقات البعيدة المرتبكة بحياته اليومية من خلال ومضات سريعة. فترى تفصيلاً معيناً يستيقظ في نفسه “ما يشبه سحابة افتراضية من نار فوق أحجار كريمة” (كما يقول مالارميه). وتتضخم في حالة الحلم. هنا، التفصيل يشبه المغناطيس الذي يجذب إليه شيئاً فشيئاً كل ما حوله. هذا السخاء التشاركيّ الذي لا يرضى كانتان أن يتميز به العالم الواقعي، تراه في المقابل يستخدمه في حياته التخيلية. وهو أمر لا يخلو من سوء نية أو مخاطرة.

ها هو، على سبيل المثال، قابع في سريره وقد أقعدته الحمّى، يركز نظره على “الضوء المتحرك، والانعكاس المنكسر في النافذة” الصادر عن لوحة إعلانية يتقاذفها الهواء. ومن باب تزجية الوقت، يقرر كانتان أن يرى في هذا الانعكاس “ظلاً راعشاً لأوراق أشجار الكستناء” يذكّر على الفور ببيئة بافارية- نُزُل في ساحة مبلطة “تزين جدرانه نحاسيات براقة ورؤوس وعول وخنازير برية”- قبل أن ينتبه، بعد أن تتضح حالة الحلم، أن هذه الشامة، قرب شفة النادل “تبعث على النفور من دون سبب واضح”، كما يبعثها رأس الوعل. لو فكر المرء ملياً في ذلك: “كيف للإنسان أن يحب الصيد؟” . هنا إليزابيث هوريم لا تترك الحبل لشخصيتهاعلى غاربه ، فتشير أحياناً بتهكم إلى التعلق الناحب بالأم الكامنخلف تحفظها البعيد، كدهشتها غير الراضية عن مآلات حالة الحلم لديها، فترى كانتان ينهض كعجوز يتحسر علانية على نفسه، ويشرب قليلاً من الحليب بالعسل، ويعود إلى غرفته “بخطى واهنة، ويدندن على وقع طقطقة بابوجه نغمتين: فليب، فلاب.”

يغوص عالم كانتان في تفاصيل مشتتة يفشل الحلم في إعادة تشكيلها. لكن التجربة التي يعيشها قارئ رواية “الحلبة” معاكسة تماماً: فعند نهاية الكتاب يخلص إلى أن الكاتب ممسك تماماً بتلابيب القصّ. وأظن أن ما فيه من تناغم جاء نتيجة هندسة سردية تدينبأناقتها الكبرى إلى بساطتها المدروسة بعناية. تنقسم رواية “الحلبة” إلى قسمين متساويين من حيث عدد الصفحات (88 صفحة لكل قسم) ويتناغم القسمان على نحو لولبي. والكتاب في المحصلة، “يتقدم عابراً نفسه” (كما يقول نيكولا بوفييه عن السفر). شخصياته، ومشاهده، وحالاتهيعكس بعضها بعضاً كما في المرآة سواء في القسم الأول أو الثاني. والإشارات المتباعدة ينعقد بعضها مع بعض لتقدم لنا بعداً رمزياً من دون أن تفرضه علينا. لكننا نرى في الدوائر اللولبية موضوعاً  يتكرر بإلحاح: هو الفقدان الأساسي الذي يكرر ما فيه صعوبةَ الموت. “ذكرى قاسية ومعذبة (…) لجسد ممدد فوق الرصيف، يغطيه معطف وردي.” كان كانتان في السابعة من عمره، حينما رمت والدته بنفسها من الطابق الخامس”.

الحلبة” رواية رومانتيكية. لكن كانتان كورفال، مثله مثل فريدريك مورو في رواية “التربية العاطفية” [لفلوبير]، شديد الضعف، ومقتّر في موقفه إزاء اليأس ليتحمل كل الثقل المحزن الذي يلهب موضوع الاحتجاج عند شاتوبريان. زد على هذا أن رومانتيكية “الحلبة” نقدية، وفي حداد على نفسها، انتُزعت منها طاقتها الكئيبة. هل هذا يعني أننا إزاء إثبات حالة معينة، أم احتجاج عليها؟ يبدو لي أننا إزاء الحالتين معاً تبعاً لعبارة إشكالية قالها إيف فيلان، سأعدلها قليلاً، لتكون لي بمثابة الخاتمة: “الرومانتيكية مستحيلة، لكن لابد منها، لابد منها.”

Jean Kaemper

Domaine Public, 1995

“حياتنا المشتركة”: مكانة المجتمع في الإنسان

01-5-2018 /علاء رشيدي

هل أسّس الفكر البشري للحياة المشتركة؟ إنه السؤال الذي حاول الإجابة عليه المفكر الفرنسي البلغاري الراحل تزفيتان تودوروف (1939-2017)، في كتابه “الحياة المشتركة” الذي صدرت مؤخراً ترجمته للعربية عن “دار نينوى” وأنجزها منذر عياشي. إنه بحث في تلك العلاقة بين الأنا والآخر، بين الإنسان وأقرانه، بين الذات والمجتمع.

منذ المقدمة، يوضّح المؤلف رغبته في مقاربة الموضوعة من حقل الأنثروبولوجيا، التي يراها تختص بدراسة المجتمعات وثقافتها، والتي تدل بمعناها الحرفي عن “معرفة الإنسان”، فيكتب موضحاً في هذا الصدد: “يعد حقل الأنثروبولوجيا، الممتد على هذه الصورة، حقلاً واسعاً. وإني أرغب الآن في أن أتجه نحو جزء واحد من أجزائه؛ ليس معالجة مكانة الإنسان في المجتمع، كما نفعل ذلك عادة، بل عكس ذلك، معالجة مكانة المجتمع في الإنسان”.

في نظرة سريعة إلى التاريخ الإنساني، يستخلص تودوروف بأن التيارات الكبرى للفكر التي اهتمت بتعريف ما هو إنساني، تتناقض في التعامل مع سؤال العلاقة بين الإنسان والآخر، ويميّز بين تيارين أساسيين يطلق على الأول مسمّى تيار “التقاليد الاجتماعية”، أما التيار الثاني فهو تيار “الاكتشاف بالآخر”.

الأول هو التيار الذي يهمل العلاقة بين الإنسان والآخر، ولا يهتم بالبعد الاجتماعي، أو العيش المشترك، بل على العكس، تأتي الخلاصة لصالح مقولات مثل “إن معاشرة البشر الآخرين تعدّ حِملاً”، “يجب على المرء أن يحاول التخلص من الآخرين” ، “الحكيم يتوق إلى التقشف والاكتفاء الذاتي”، أو “الإنسان ذئب بالنسبة إلى الإنسان”.

كذلك كان المفكر الفرنسي فرانسوا دي مونتاني (1533-1592) يقدم النصيحة إلى أقرانه، فيكتب : “فلتكن موافقتنا منوطة بنا فقط، ولنتخلص من كل الارتباطات التي تربطنا بالآخر، ولنحمل على عاتقنا القدرة على العيش وحدنا بدراية، وأن نعيش كما يحلو لنا”. مما يعني أن مونتاني يؤيد، بل يجد من المحمود، أن يتحرّر الفرد من العلاقات مع الكائنات الإنسانية الأخرى.

ضمن تيار “التقاليد الاجتماعية”، يصنف تودوروف أيضاً ما قدمه لاروشفوكو (1613 – 1680) حين كتب: “لن يعيش البشر طويلاً في مجتمع، إذا لم يكن بعضهم خديعة الآخر”، وكذلك عبارة بليز باسكال (1623 – 1662): “إن الوحدة لا تقوم بين البشر إلا على أساس الغش المتبادل”. وضمن ذات السياق يتعجب الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبس (1588 – 1679) متسائلاً: “لماذا يختار البشر العيش في مجتمع؟” وكذلك يتساءل الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور (1788 – 1860): “من أين تأتي الحاجة إلى مجتمع؟”.

نجد تقريباً التصوّر نفسه عن علاقة الإنسان بالآخر عند كانط (1724-1804)، والذي تبعاً له، فإن المنافسة الجوهرية للنوع الإنساني تكمن في “عدم اجتماعية نزعته الاجتماعية”، وفي ميوله المتناقضة في البحث وفي الهروب من المجتمع. يرى كانط أن منظور الفرد يفرض عليه رؤية الآخرين كمنافسين أو كعقبات في طريق صعوده، وإنه ليتمنى إذاً اختفاءهم.

نيتشه (1844-1900) الذي غالباً ما كان ناقداً لمفكري القرنين السابع عشر والثامن عشر، يتفق في هذه النقطة مع تصوّر أسلافه عن مفهوم الحياة المشتركة. إن النموذج الذي يقدمه نيتشه، أي “الإنسان الأسمى” هو كائن يتطلع بدوره إلى العزلة أو التوحّد. فعوضاً عن حب الذات أو الأنانية لدى لاروشفوكو، يبتكر نيتشه “إرادة القوة”، فيكتب في هذا الصدد: “إني لأتصور أن أي جسد خاص يتطلع لكي يصبح سيد المكان كله، كما يتطلع إلى توسيع إرادة القوة عنده، وإلى إقصاء كل ما يقاوم توسّعه. ولكنه على الفور سيقع تحت تأثير تطلعات مماثلة لأجساد أخرى”.

أما بخصوص تيار “الاكتشاف بالآخر”، فيبدأ تودوروف حديثه بالفلاسفة اليونان الذين أكدوا بأن الإنسان هو حيوان اجتماعي، ومنهم أرسطو حين يقول: “يشتمل الخير بالنسبة إلينا على علاقة مع الآخر”، هنا تصبح الصداقة بين الإنسان والآخر استحقاقاً وليس حاجة.

تحضر لأرسطو أيضاً في التأسيس لمفهوم الحياة المشتركة عبارته الشهيرة: “إن الإنسان الذي لا يقوى أن يكون عضواً في مجتمع، أو الذي لا يجد الحاجة إلى ذلك مطلقاً لأنه يكفي ذاته بذاته، فإنه لا يعدّ جزءاً من المدينة، وهو بالنتيجة إما بهيمة أو إله”.

أما شيشرون الروماني (106 ق.م. – 43 ق.م.)، فهو يقيم بيّنته بهذا الشأن على أساس “الفضيلة”، فيكتب: “لقد أعطتنا الطبيعة الصداقة لكي يسمح للفضيلة التي لا يمكن أن تكون كاملة عند إنسان واحد، أن تشترك مع الآخر وأن تميل نحو الكمال”.

وفي كتابه “خطاب حول أصل اللامساواة”، يرصد تودوروف جان جاك روسو كأول من وضع تصوراً جديداً للإنسان بوصفه كائناً “يحتاج إلى الآخرين”، وذلك في منتصف القرن الثامن عشر، فيقرأ في كتابه المذكور: “يعيش المتوحد في ذاته، وأما الإنسان الإجتماعي فهو الإنسان الحق، الذي لا يعرف العيش إلا من خلال رأي الآخرين. وإنه يستخلص من حكمهم فقط الإحساس بوجوده”.

وفي ذات الكتاب يميّز روسو اصطلاحياً بين “حب الذات” و”احترام الذات”، ومفهوم “حب الذات” بالنسبة لروسو له حمولة إيجابية: إنه يمثل غريزة البقاء البسيطة، وهي غريزة ضرورية لكل كائن. وأما المفهوم الثاني، فيراه روسو سلبياً: إنه شعور لا يوجد إلا في المجتمع، ويقضي بمقارنتنا مع الآخرين، والحكم علينا بوصفنا أعلى منهم، والرغبة في جعلهم أدنى منّا.

في عام 1759، وجد العالم الاقتصادي الإنكليزي آدم سميث في كتابات روسو ما هيأ له لنشر كتابه “نظرية الأحاسيس الأخلاقية”، الذي دافع فيه عن الحياة المشتركة بالقول: “إن الأكثر كثافة من بين الملذات، هي تلك التي نستخلصها من نظرة معيّنة يلقيها الآخرون علينا، فالطبيعة حين صاغت الإنسان من أجل المجتمع، علمته أن يجد لذته وألمه في نظرات الآخر”.

وبرأي كل من جان جاك روسو وآدم سميث، فإن أي حكم يقيمه الوعي لا بد أن يستند للإحالة إلى القيم. هذه القيم كما الأخلاق والجمال، لا يمكن أن تولد إلا عبر العيش في مجتمع.

من هذه المقولات يستخلص تودوروف أن الإنسان لا يستطيع أن يصدر حكماً على نفسه إلا عبر الخروج من الذات، والنظر إلى الذات من خلال عيون الآخرين، يكتب هنا: “فإذا أنشأنا إنساناً في عزلة، فإنه لن يستطيع أن يصدر حكماً على شيء، ولا حتى على نفسه، ستنقصه مرآة لكي يرى نفسه”.

هذه المرآة التي يحتاجها كل إنسان لكي يدرك ذاته، ليست سوى التمثل الداخلي للآخر في نفوسنا، ويطلق عليه تودوروف، اسم “الوعي”. فالوعي في نظره ليس إلا الآخر معمّماً، والوعي هو نظرة الآخرين في داخل كل منا. ويتعلق سلوكنا بحكم هذا الآخر المعمم، في التحليل الأخير.

إذاً يتفق تودوروف مع مصطلحات الفيلسوف الألماني هيغل (1770 – 1831) الذي يميز بين الحيوان والإنسان مبيناً أن الحيوان يتصرف باسم غريزة البقاء، محاولاً الاستحواذ على الأشياء التي تعد ضرورية بالنسبة له، كالغذاء أو إبعاد عقبات المنافسين. أما الإنسان، فيفعل ما يفعله الحيوان، ولكنه لا يكتفي به، فهو يتطلع إلى الاعتراف بقيمته، التي لا يمكن أن تأتي إلا من نظرة الآخر.

هذه العلاقة المتبادلة بين الإنسان والآخر، سواءً تحت مسمى “التقدير المتبادل” كما عند روسو، أو “الانتباه المتبادل” كما عند آدم سميث، أو المصطلح الذي يميز رؤية هيغل وهو “الاعتراف”، تؤكّد على الحاجة بين الذات والمجتمع والتي يعمل كتاب تودوروف على إضاءتها من خلال مسارات العلوم الإنسانية ومسارات الفلسفة وعلم النفس، فيمضي المؤلف في إنارة ثناياها.

جديد إصدارات ريتانّا أرميني والدكتورة أسماء غريب

خبر ثقافي: (سوريا / إيطاليا)

((عشق سرّي / حكاية إينيسّا ولينين)):

جديد إصدارات ريتانّا أرميني والدكتورة أسماء غريب

ضمنَ منشورات دار نينوى للدّراسات والنّشر والتّوزيع، صدرتْ حديثا في دمشق (نيسان 2017)، التّرجمةُ العربيّةُ لرواية ((عشق سرّي / حكاية إينيسّا ولينين)) لصاحبتها؛ الكاتبة والصّحفية الإيطاليّة ريتانّا أرميني. وقد ترجمتْها الأديبة النّاقدة والمُترجمة المغربية الإيطاليّة د. أسماء غريب.

تقعُ الرّواية في 312 صفحاتٍ من الحجم الوزيريّ، وتتألّفُ من 32 فصلاً تتصدّرُها مقدّمةٌ ضَمَّنَتْها المُترجمةُ موجزاً عن طريقتِها وأسلوبها في العمل التّرجميّ، وعن المعنى الرّوحيّ العميق لفعل التّرجمة في حدّ ذاته باعتباره التزاماً وجدانيّاً، يستوجبُ التّرحيب بثقافة الآخر واستضافتها عبْرَ فتح قنوات مُوَسّعة من أجل إيصالها إلى المتلقّي بشتّى اللّغات، مع الحرص على تقصّي الأمانة عند النّقل من لغة الانطلاق إلى لغة الوصول.

كما لمْ يفُتِ المُتَرجمةَ أن تُسلّط الضوء على فكر الروائية والصّحفيّة ريتانّا وعلى كمّ الإصدارات التي نشرتْها لليوم ككاتبة ذات رسالة، تتقصّى آثارَ المخبوء في التاريخ لتُظْهره إلى العالم. أمّا وعن كونها بحثتْ عن إينيسّا في أرشيفات تاريخ الثورة البلشفية المسكوت عنها، فهي كما تقول المُتَرجمةُ:”لم تفعل هذا من أجل أن تقول للعالم فقط إنّ لينين كانت له عشيقة سرّية هي إينيسّا أرماند، بل على العكس من ذلك، لأنّ الباحث الرّصين الحقّ، لن يهمّه ما كانته إينيسّا في حياة لينين الخاصّة، لا سيما وأنّ مجرد عملية تنقيب بسيطة سوف تُظهر له أنّها لم تكن المرأة الوحيدة في حياته، – ربّما كانت أهمهنّ ولكنها لم تكن الوحيدة -، فالذي يهمُّ حقيقة هو كيف كان لينين يتعامل كرجل سلطة مع المرأة، لأن هذا سيساعد الدّارس على إجراء مقاربة تقابليّة بين الماضي والحاضر عبر طرح مجموعة من الأسئلة التي ترمي إلى تحديد موقع المرأة من السياسة سواء في روسيا أو في غيرها من مناطق العالم بما فيها إيطاليا والبلدان العربية. ومن هنا ينبع سرّ اهتمامنا بطرح هذا الكتاب وعرضه في المكتبات العربية”.

ويقول السّيدُ أيمن الغزالي، مدير عام دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، إنّ الدّار مسرورة بإصدار رواية “عشق سرّيّ” ويتوقّعُ تسليط الضوء أكثر فأكثر على أعمال الرّوائية الإيطالية ريتانّا أرميني القادمة التي تهتمُّ بالأدب والتاريخ الرّوسيَيْنِ على وجه الخصوص. كما تجدرُ الإشارة إلى أنّ الدّارَ، وفي إطار سياسة انفتاحها على الفكر والأدب الإيطالييْن قد أثرتْ المكتبةَ العربية قبل هذا الإصدار المُعاصر، بأعمال لأدباء آخرين من قبيل إيتالو كالفينو، وبيير باولو بازوليني.

أمّا الرّوائية ريتانّا أرميني فتقول عن بطلة روايتها إينيسّا أرماند وهي في إطار تحليل شخصيّتها ومحاولة الإلمام بتفاصيلها المستعصية، إنّها كانت امرأة ثرية، ولم تخشَ الفقر أبداً، حتّى أنّها ماتت فقيرة جدّا. كما كانت زوجةً طيّبة، لكنها في الوقت ذاته كانت تدافع عن أهمّية اختيار المرأة لشريك حياتها، فحتّى حبّها للينين الذي رافقها إلى أواخر أيّام حياتها، لم يمنعها من الحفاظ على صداقة متينة مع زوجته ناديا كروبسكايا. لقد كانت طيّبة مع الجميع، وكانت لها صداقات في مناطق مختلفة من العالم، لكنّها كانت أيضا تعرف كيف تنسحب من السّاحة في الوقت المناسب للاستمتاع بلحظات تقضيها لوحدها بعيدا عن الناس والجماهير. كانت مثاليّةً وعانقت أيضا أفكار العالم الطوباوي الجديد، دون أن تفرّط في شخصيّتها العقلانية، ودورها الدبلوماسيّ الوساطيّ الذي به كانت تسعى إلى حلّ العديد من القضايا والمشاكل المتعلّقة بالحزب والثورة.

شخصيةُ إينيسّا المعقّدة التّكوين، وكذا المتناقضة في كثير من الأحيان، لحظاتُ حماسها واكتئابها وحزنها، وطبعها الثوريّ المُضحّي لدرجة التّفاني ونكران الذّات، وقدرتها على الجمع في الحبّ بين السّياسة وأبنائها، كلّ هذا جعل منها شخصيّة قويّةً عصيّةً على التصنيف أو التّأطير داخل خانة أو صورة واحدة، ولأجل هذا فإنّ الباحثَ وهو أمام إينيسّا تسقط منه كل الأحكام الجاهزة، ولأجلِ هذا أيضاً اختارت ريتانّا أرميني أن تكتُبَ عنْهَا وترويَ حكايتَها ولينينَ للنّاسِ.

الماغوط: في ذكرى الرحيل

“دموعي زرقاء

من كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيت

دموعي صفراء

من طول ما حلمت بالسنابل الذهبية

وبكيت

فليذهب القادة إلى الحروب

والعشاق إلى الغابات

والعلماء إلى المختبرات

أما أنا

فسأبحث عن مسبحة وكرسي عتيق

لأعود كما كنت

حاجباً قديماً على باب الحزن

ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان

تؤكد أنني لن أموت

إلا جائعاً أو سجيناً”.

 

هكذا يُتم الرحيل اليوم عامه الحادي عشر على آخر إغماضة عين للشاعر السوري محمد الماغوط، ابن مدينة السلمية التي حملها مع اسمه إلى الخلود، بعد أن كتب بغصّة المكلوم والجائع والمحزون والمسجون، معادلة صعبة كان ناتجها ضحكة وسخرية أنقذته طوال 72 عاماً من الموت كمداً، وأنقذته مراراً من خيانة وطن أحبّه حتى العبادة، وهدّده مخاتلاً بهذه الخيانة التي لم تحصل أبداً.

في يوم رحيله لا يسع الأوفياء إلا النظر في سيرته كما وصف نفسه “نبي لا ينقصني إلا اللحية والعكّاز والصحراء”، بمذهب من لم يملك نهجاً لمجابهة الحياة إلا السخرية، ولأن الموت لا يعيد الصحب من بين يديه، لن نعرف إذا وفى الماغوط بوعده أو صدق خوفه: إنني أعدُّ ملفاً ضخماً عن العذاب البشري لأرفعه إلى الله فور توقيعه بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين، ولكن يا أيها التعساء في كل مكان، جُلَّ ما أخشاه أن يكون الله أميّاً”…

فـؤاد دحـدوح: شهيّة مفتوحة عـلى التجريب

د. محمود شاهين

رغم مواهبه الفنيّة الحقيقيّة، ونتاجاته المتميزة الموزعة على أكثر من جنس ولون فني، لم تأخذ تجربة الفنان التشكيلي السوري فؤاد دحدوح (مواليد دمشق 1956) ما تستحق من الدراسة والاهتمام والتقدير، فهذا الفنان الذي تخصص بفن النحت (درسه في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، وتابعه في باريس، ثم معيداً موفداً إلى أكاديميّة الفنون بالعاصمة البولونيّة وارسو، حيث حصل منها على درجة الدكتوراه في علوم الفن، وعاد ليعمل مدرساً لمادة النحت في كلية الفنون الجميلة في دمشق) يمارس إلى جانب اختصاصه الأكاديمي، إنتاج اللوحة التعبيريّة المتعددة التقانات اللونيّة، وفن الميدالية، وتصميم الشعارات (اللوغو) وجوائز المهرجانات والملتقيات، والديكور التلفزيوني، والغناء، وفنون التصميم المجسم والمسطح، وأثبت حضوراً لافتاً فيها جميعاً، مع ذلك ما زال مجهولاً لدى العديد من المهتمين والمتابعين لحركة الفن التشكيلي السوري المعاصر بسبب زهده بالأضواء والمناصب، وتواضعه الجم في تقديم نفسه، والتعريف بمقدراته ومواهبه الكثيرة، ولاسيّما في مجالي النحت والتصوير اللذين يمزج في العديد من أعماله بينهما، بشكل يختلط على المتلقي، نسب لوحته إلى (النحت النافر) أو إلى (التصوير) لشدة تماهي الفنين فيها، ما يدل على مقدرته في التعاطي مع الفنين العريقين، وإخضاعهما لحالة توافق وانسجام كرست قيمهما الفنيّة، وعمّقت الحالة التعبيريّة لموضوع اللوحة-المنحوتة.
اعتمد الفنان دحدوح منذ البدايات الأولى لتجربته الفنيّة، وما زال، الصياغة الواقعيّة التعبيريّة المنفذة بتلقائيّة وخبرة في آنٍ معا. أقام مؤخراً معرضاً لأعماله في صالة المعارض في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، ضمنه آخر نتاجاته الفنيّة من اللوحات الكبيرة المنفذة بتقنية خاصة ضائعة بين التصوير والنحت النافر، تشغل بعضها وجوه واسعة تذكرنا بوجوه الفنان التشكيلي السوري المقيم في ألمانيا مروان قصاب باشي، وبعضها الآخر، تشغله هيئات أجساد عارية، لديها الوجوه المستديرة المدهوشة نفسها (والمشوهة أحياناً)، وزعها الفنان ضمن كوادر مدروسة، وبوضعيات تعكس حالات إنسانية متباينة متأرجحة بين الحب والخوف والخواء والحزن والحنان والحصار، تؤديها هيئات إنسانيّة واقعيّة محوّرة، مؤطرة، أو مركونة في فراغ رحب ومفتوح، مشغول بانزياحات وتداخلات ألوان وخطوط سوداء عفويّة، أو منضدة َضمن مساحات ملوّنة، مشبعة بالضوء. تنم تعبيرات هذه الهيئات عن أحاسيس متباينة الماهيّة، تبعاً للحالة الشعوريّة التي تتلبس الفنان أثناء قيامه باجتراح فعل الإبداع، وهي عموماً تعكس حالة شعوريّة ذاتيّة مرتبطة بمعاناة الفنان بوجهيها: الإيجابي أو السلبي، أو هي جمعيّة رشحت إلى كيانه مما يدور حوله من أحداث دامية وضاغطة عاشها بشكل مباشر، أو وصلت إلى أحاسيسه بتأثيرات عوامل أخرى مختلفة، ولأن جملة هذه الانفعالات والمؤثرات والعواطف، تأوي إلى مختبره الداخلي، يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، قبل أن تظهر فوق سطح العمل الفني، على شكل تداعيات، وشحنات تعبيريّة عميقة، تعكسها ملامح ووضعيات شخوصه المتباينة الشكل والمضمون والحالة الشعوريّة، والطريقة التي يُحوّر فيها نسبها التشريحيّة التي تصل إلى مبالغات مدهشة.
لقد شكلّت هذه الصياغة التشكيليّة التي بدأها خريجو كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، مطالع سبعينيات القرن الماضي، أمثال: فؤاد أبو سعدة، عبد القادر عزوز، عبد الله مراد، محمد الرومي، إبراهيم جلل، ماجد الصابوني، محمد ديب المصري… وغيرهم، منطلقاً للتجارب التي جاءت بعدهم ويمثلها: فؤاد دحدوح، إدوارد شهدا، غسان نعنع، وليد الشامي، زهير حضرموت، سعد يكن، حمود شنتوت، أحمد معلا، إبراهيم الحميد… وغيرهم.
يرى الفنان فؤاد دحدوح أنه لا فرق بين (التصوير) و(النحت)، فالمصوّر يجسد الجمال في اللون، والنحات يجسده في الكتلة الفراغيّة، وقد قدم تاريخ الفن أمثلة كثيرة عن فنانين مارسوا الفنين من هؤلاء: بيكاسو، ماتيس، جوجان… وغيرهم. ويؤكد أن الفنون وحدة متكاملة، والعنصر المشترك بينها هو الإحساس أو (الحس)، فما دام يوجد عند الفنان إحساس فلا شك في أنه متنوع المواهب، مثال ذلك شيخ الفنانين ليوناردو دافنشي الذي سُئل وهو يجدُّ في السير: لماذا أنت مسرع والثلوج تغطي المدينة فقال: عسى أن أتدارك الوقت قبل أن يفوتني، لأتعلم شيئاً من الموسيقا، وكان يومها على مشارف الثمانين من العمر.
وعن تركيزه على المرأة في أعماله يقول إن الهيئة الإنسانيّة من أصعب المواضيع في الفن على الإطلاق، وهو ما أكده الفنان (ديغا) عندما قال إننا جميعاً نستطيع أن نرسم أشجاراً، ولكن من الصعب علينا أن نرسم يد إنسان. ولأن المرأة محور الجمال ورمزه الأبرز، فقد كانت ولا تزال المفردة الرئيسة في أعماله الفنيّة، سواء أكانت نحتاً أم تصويراً، أو تلك التي تجمع بين الفنين معاً، وهذه الأعمال بشكل عام، تمتلك شخصية فنيّة واحدة يراها ضروريّة، لأن الفنان الذي لا يملك شخصية واضحة ومتميزة في أعماله، يكون أقرب للحرفي منه للفنان، وبالنسبة له، سيبقى مفتوح الشهية على البحث والتجريب في وسائل التعبير جميعها، وتالياً سيختار اللغة الأقدر على التجاوب مع حالته الشعوريّة الآنيّة، والتعبير الأمثل عنها، سواء أكانت تصويراً، أم نحتاً، أم غناءً، أم تصميماً مسطحاً أو مجسماً، ويرى الفنان فؤاد دحدوح أن الغناء أثناء ممارسته الفنون البصريّة المختلفة، يمنح منتجه نوعاً من الشاعريّة الخاصة، ذلك لأن الغناء موجود في كل مكان وزمان، وموجود في كيان الإنسان: في روحه وخاطره ودمه

وداعاً معدّ الجبّوري .. حيث لا يفنى الجمال..

صباح اليوم الأول من نيسان 2017، كتب الموت الكلمة الأخيرة في قصيدة الشاعر العراقي الكبير معد الجبوري، خاتماً مسيرة أدبية استمرت لأكثر من أربعين عاماً، أضاف خلالها أكثر من خمسة عشر مؤلّفاً شعرياً ومسرحياً، احتاجت الكثير من الاحتفاء والتكريمات والجوائز المختلفة لقاء ما أضافته من قيمة إلى الأدب العربي المعاصر.

وربما ليس من باب الصدفة أن يكون ديوان الشاعر الأخير، واحد من إصدارات #دار_نينوى_للدراسات_والنشر_والتوزيع، والذي صدر عام 2010 تحت عنوان: مخطوط موصلي، متضمّناً 53 قصيدة تحكي تعلّق الجبوري بروح المكان، حاراته، أسواقه، ناسه وعاداتهم.. هو الذيانتمى أكثر من أي شيء آخر إلى مدينته الموصل، التابعة لمحافظة نينوى العراقية، حيث وُلِد وعاش وانتهت مسيرته عن 71 عاماً.

وكان الشاعر العراقي الراحل قد بدأ حياته في مهنة التدريس بعد تخرجه من كلية الشريعة في جامعة بغداد 1968، ثم عمل صحفياً في جريدة القادسية، ومديراً لفرقة التمثيل التابعة لدائرة السينما والمسرح في مدينة نينوى. قبل أنيترأس إدارة المجمع الإذاعي والتلفزيوني بنينوى لمدة 14 عاماً، أنهاها بتقاعد طوعي بُعيد دخول القوّات الأميركية إلى العراق في عام 2003.

كان الشاعر عضواً في اتحاد الأدباء والكُتّاب العرب، إلى جانب عضويته في اتّحاد الأدباء والكُتاب العراقيين منذ 1971، حيث شغل عضوية مجلسه المركزي لثلاث دورات متتالية من 1996 إلى 2003. وإلى جانب ذلك كله، تسلّم منصب رئاسة فرع نقابة الفنانين في نينوى بين عامي 1981 و1985، ثم رئاسة اللجنة الاستشارية للثقافة والفنون في نينوى بين 1996 و1998. وبين هذا وذلك، استمرّ إنتاجه الأدبي على مدار أكثر من 45 عاماً بين دواوين ومؤلفات ومقالات منشورة في صحف ومطبوعات عربية وعراقية مرموقة.

زلزال الشعر…

بدأ الجبوري حياته الأدبية مع ديوان “اعترافات المتهم الغائب” عام 1971، تتالت وراءه المؤلفات والدواوين الأخرى، وتنوّعت بين الشعر والمسرح الشعري، حيث ألّف العديد من المسرحيات التي لقيت احتفاءً خاصاً على الصعيد العربي والعالمي، وتمّت ترجمة معظمها إلى عدد من اللغات العالمية. وتتوّج نتاجه الأدبي هذا بالعديد من التكريماتودروع وشهادات الإبداع في كلّ من: جامعة الموصل، دار عراقيون للأنباء والنشر، الجامعة الحرة، جامعة تكريت، مركز السريان للثقافة والفنون، في قضاء الحمدانية (قرة قوش)، إلى جانب جائزة الدولة ( الإبداع في الشعر- لعام 2001 ) عن مجموعته الشعرية (أوراق الماء).

وعلى مدار سنوات إنتاجه الأدبي، احتفى الأدباء والنُقاد والمترجمون بزخم عطاء الجبوري، من خلال العديد من الدراسات الأكاديمية التي تناولت هذا الإنتاج بالكثير من الاحتفاء والدقة والتقدير. فيما كان لم يغب حضوره الشعري في مدن عديدة حلَّ فيها، عبر اللقاءات والقراءات الشعرية، منها: دمشق، القاهرة، الرباط، تونس، صنعاء، عَمَّان، مقديشو، طنجة، وجدة، مراكش، الدار البيضاء، أصيلة، سوسة، المنستير، تعز، عدن، حلب، دير الزور، الحسكة، معرة النعمان، استنبول، أنقرة, صوفيا، بودابست، بخارست، بلغراد، براغ، لندن، دكا، بانكوك وغيرها.

ولم تكن الكتابة لدى الجبوري مجرّد تعبير عن عاطفة أو شعور، بل كانت حالة وطقس خاص، وقد عبّر عن ذلك في قوله: “القصيدةُ لديَّ تبدأ من شرارةٍ تقدحُ فجأةً لسببٍ ما، فتشعلُ حرائقَها في كياني فلا أهدأ حتى تبينَ ملامحُ الجنين، فأعمل بخزين رؤاي وتراكم خبرتي على تعميقِ قَسَماتِ تلك الملامح، ولا أغادرُ فضاءَ القصيدة حتى أحسَّ أنها قد حملتْ صوتي وبصماتي الخاصة.. أحياناً، وبعدَ لحظة الولادة، أطلقُ القصيدةَ كما هي، مسفوحةً على الورق أمام المتلقي .. أطلقُها هكذا: بِدفئِها وشوائبِها وبقايا دمِ المشيمة، ثم أديرُ ظهري بانتظارِ شرارةٍ أخرى”.

توالت مؤلفات الكاتب على مدار أربعين عاماً، حيث أصدر 17 مؤلفاً كالتالي:

  1. اعترافات المتهم الغائب (شعر) دار الكلمة – النجف 1971.
  2. للصورة لون آخر (شعر) وزارة الإعلام – (سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث) دار الحرية للطباعة – بغداد 1974.
  3. آدابا (مسرحية شعرية) المركز الثقافي الاجتماعي لجامعة الموصل – الموصل 1977
  4. شَموكين (مسرحية شعرية) صدرت في كتاب عن مجلة (فنون) العراقية – بغداد 1980.
  5. وردة للسفر (شعر) وزارة الثقافة والإعلام – (سلسلة ديوان الشعر العربي الحديث) دار الرشيد – بغداد 1981
  6. هذا رهاني (شعر) وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية – بغداد 1986.
  7. الشرارة (مسرحية شعرية) وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية – بغداد 1986.
  8. مسرحيات غنائية (تأليف مشترك مع الشاعر عبد الوهاب إسماعيل) مطبعة الجمهور الموصل 1987.
  9. آخر الشظايا (شعر) وزارة الثقافة والإعلام – دار الشؤون الثقافية – بغداد 1988.
  10. السيف والطبل ( مسرحية شعرية ) دار الشؤون الثقافية – بغداد 1994.
  11. طرديات أبي الحارث الموصلي (شعر) دار الشؤون الثقافية – بغداد 1996.
  12. كتاب المكابدات (مختارات من شعري) اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1999.
  13. أوراق الماء (شعر) دار الشؤون الثقافية – بغداد 2001.
  14. حُرَق في فضاء الأرق (شعر) اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2005
  15. في مهب دمي (شعر) اتحاد الكتاب العرب – دمشق 2008
  16. ديوان معد الجبوري (الأعمال الشعرية 1971 – 2008) مؤسسة شمس للنشر والإعلام القاهرة 2009
  17. مخطوط موصلي (شعر) دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع – دمشق 2010

لا شكّ أنه بوفاة الجبّوري قد سجّل التاريخ خسارة قامة أدبية شامخة، وخسره المكان والموصل ونينوى وكل المُحبّين الذين جمعهم الشعر والإنسانية.. إلا أنّ ما بقي منه للمكان والوطن والشعر، خالدٌ وساطع كشمس الجمال التي لا تفنى برحيل من صنعه..

«نجم بعيد» رواية بولانيو.. القتلة يتألمون

لينا هويان الحسن
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-08-28 على الصفحة رقم 12 – السفير الثقافي

الكاتب التشيلي روبيرتو بولانيو «2003- 1953» في روايته هذه «نجم بعيد» الصادرة حديثا عن دار نينوى – دمشق، والتي قام بترجمتها علاء شنانة، يطوع كل أدوات السرد المتاحة ليروي لنا واقعا متخما بالخداع المرّ والخيانات الكبرى، التي يقترفها شبان مثقفون بحق بعضهم البعض ابان الانقلاب العسكري على حكم الليندي.
إنها السنوات السوداء في تاريخ حكم تشيلي خلال حكم الطغمة العسكرية التي تسبب جنرالاتها باختفاء أكثر من ثلاثين ألف شاب وشابة. قتلوا أو ماتوا تحت التعذيب في المعتقلات، أو تم رميهم من الطائرات العسكرية في المحيط بأذرع وأرجل مقيدة.
روبيرتو بولانيو ينسج السرد على نحو يسمح لنا ان نطرح شتى التخمينات التي لا تقبل بظهور حقيقة لا تقبل الجدل. يعتمد على أداة السارد غير الموثوق به، ليضلل القارئ بغاية التشويق، ولهذا لا عجب أن تبدو الرواية مع تقدم فصولها بملامح بوليسية واضحة.
بداية، كل التخمينات التي كانت تحاك حول بطل الرواية، رويز تاغلي سببها أناقته الملفته ووسامته الملتبسة، من جهة، ومن جهة أخرى سببها الغيرة والحسد من تاغلي الطويل والقوي، الجميل لكن بملامح باردة.
الاختان فيرونيكا، وانجليكا، هما العنصر الانثوي في الرواية والذي نتوقع ان تتطور قصة حب عظيمة بين تاغلي واحداهما، لكن كل التكهنات التي يمكن أن يفكر بها القارئ بهذا الشأن، ستجهض بقسوة، عندما نصل تلك السطور التي تشرح لنا أن تاغلي هو مجرم مهووس يقتل كل الفتيات التي تعرّف عليهن، وحدها طالبة الطب السمينة بوسداس، تنجو بسبب قباحتها، فرويز تاغلي كان مغرما بالجميلات، يقتلهن ثم يقطع اجسادهن ويقوم بتوزيع الاشلاء بشكل فني ما، ثم يقوم بالتقاط صور فوتوغرافية لجرائمه.
شاعر السماء
في ورشة الشعر كان يصمت بينما الجميع يتكلمون ويثرثرون كثيرا، معظمهم شبان متحمسون، لا يتكلمون عن الشعر فقط، إنما يتحدثون عن الرسم والهندسة المعمارية والتصوير الفوتوغرافي، وعن الثورة والكفاح المسلح، كانوا يرون بالكفاح المسلح أملا واسعا سيسوق لهم حياة جديدة وحقبة جديدة لكن الفكرة كانت بالنسبة لأغلبهم مثل الحلم، مثل المفتاح الذي سيفتح باب الأحلام، وهي الأشياء الوحيدة التي كانت تستحق ان يعاش من اجلها.
لكن ذلك الحلم سرعان ما أصبح كابوسا شاب تشيلي عقب الانقلاب العسكري على سلفادور الليندي.
البطلات يظهرن بوصفهن كائنات رغبة من الذكور بوصفهن عند «الآخر التقليدي العقلاني والواقعي، فيضا مخرّبا لابد من محاولات لاستبعادهن، حتى لو كان بالجريمة».
بوصفه الهوس، او العصاب القهري، يستمر افتتان تاغلي بالتحليق. إنه رويز تاغلي الذي يظهر باسم كارلوس وايدر، الطيار العسكري الذي بحلول عام 1974 وجد الفرصة مؤاتية ليركب الموجة، أي سيختبئ وراء النظام الجديد الطليعي الذي بدأ يجتث كل المثقفين من ادباء وشعراء وصحفيين.
كارلوس وايدر، يصبح فجأة شاعر السماء، ويمثل ظاهرة فريدة من نوعها، يكتب القصائد، بدخان طائرة صغيرة، ويستدعى لاقامة عروض في الاحتفالات الرسمية، في سماء الميناء الجوي وبحضور جمهور مكون من ضباط كبار ورجال أعمال مصطحبين عائلاتهم، – البنات اللواتي كن في عمر الزواج كن «يمتن في دبابيب وايدر» بينما المتزوجات كن يمتن من الحزن.
اصدقاؤه القدامى – الذين تعرفوا عليه عبر الصور انه رويز تاغلي ذاته، أدركوا انه كان يوثق بأشعاره تلك لمصائر غامضة أحاقت بزميلات لهم مثل كارمن، وباتريثيا، وانجيليكا وفيرونيكا. لكنهم لم يتوقعوا أنه هو نفسه محدد تلك المصائر وراسمها.
الشوق العاجل، والمتواصل، للتحليق عند وايدر كان توقا للانعتاق من ذاكرة تؤرقه على اليابسة. وحدها زميلته القبيحة طالبة الطب بوسداس أدركت أنه كان يستحضر أسماء نساء ميتات. لكن بوسداس كعادتها، صمتت.
بين سطر وآخر تثور «رومانسيات» التحليق، وتزيح التناول الواقعي لتاريخ كارلوس الواقعي.
واقعية كارلوس الفجة، ظهرت أخيرا من خلال دعوته الصحافة لافتتاح معرض للصور الفوتوغرافية في شقته، المفاجأة كانت غير محتملة للكثيرين، بينما أعلن وايدر للحضور: إنه حانت الساعة لامتصاص شيء من الفن الحديث. قال ذلك وايدر المعروف دائما بهيمنته على من حوله، الواثق، بعينين منفصلتين عن جسده، كما لو أنهما تنظران من كوكب آخر. فتح الباب ليدخل الحضور الى صالة توقع الجميع ان تكون صورا لسماء تشيلي، لكن البكاء كان ردة فعل بعض الحضور، تحديدا اولئك الذين كانو يعرفون الاختين انجليكا وفيرونيكا، معرفة شخصية.
في الصور، النساء كن يبدون كدمى، في بعض الأحيان كدمى عرض مقطعة الأوصال، ممزقة…
بعد تلك الليلة سيختفي المدعو كارلوس وايدر نهائيا، ويعود القارئ ليرضخ لسلطة السارد غير الواثق من قدرته على معرفة المستقبل بأي قدر من اليقين.
أصبحت اخبار كارلوس وايدر مرتبكة، متناقضة، يظهر ويختفي في الموسوعة المتحركة للأدب التشيلي ملتفا بالضباب، هناك تكهنات بقرار طرده من القوى الجوية في محكمة مسائية وسرية والتي حضرها بلباسه العسكري رغم أن معجبيه من دون نقاش كانوا يفضلون تخيّله بعباءة قوقازية سوداء، بعين واحدة ويدخن في غليون طويل من ناب الفيل. العقول الأكثر جنونا من أبناء جيله رأوه يتسكع في سانتياغو، يمارس مهنا متباينة، ويشارك في شركات فنية غريبة. يغير اسمه.
لا يمكننا ابدا ان نصل الى تسوية كاملة مع الماضي، ولا يمكننا ان نمثله بصورة عادلة، لهذا تُكتب بعض الروايات تحت مظلة «التذكر التاريخي» لأحداث بعينها.
روبيرتو بولانيو يقول في روايته «نجم بعيد»:
«فقط الألم هو من يوثق الحياة، فقط الألم هو من يستطيع أن يكشفها».
الألم هو الشبح الحقيقي الذي طرد وايدر من الارض ودفعه لكتابة اشعاره بالسماء، والألم هو الذي دفعه لتسليط الضوء على جرائمه التي اقترفها بحق عشيقاته، وايدر قرر الاعتراف بانحرافه الوجودي عبر الفن، فالقتلة يتألمون لكن على طريقتهم.
(كاتبة سورية)

الحـداثة و«قـانون حـراسة الشهوة»

فاتح كلثوم
«أحسن الكلام ما كان صفو العقل من ناحية المعنى، وعفو الطبع من جهة التأليف،
فيجتمع صواب المراد وحلاوة الإيراد..» والقول لـ «أبي يوسف يعقوب بن سحاق الكندي» الّذي عاصر اضطرابات القرن الثّالث الهجري –التّاسع الميلادي، والّتي شملت جميع مقومات الدّولة العباسية (الجغرافية، الفكرية، الاجتماعية، السياسية) ولكن تلك المرحلة الزمنية، استطاعت –بمثقفيها- أن تكون مسرحاً لإنتاج فكر وأدب بديل، تجاوز كل التّابوهات المفروضة –آنذاك- والمحروسة بقانون السّيوف الأميرية –الوصائية الّتي ترى في كلّ تجاوز لشهوتها الدّينية والدّنيوية خطراً يهدد وجودها، قبل أن يهدد الشّرع ورجاله الأوفياء للثابت، وسط تصفيق «عوام» يرون أنّ ذاك الثّابت وعباءة ولي الأمر، هما الجنة الحقيقية للاستقرار في الدّنيا والآخرة، وكان «الكندي» هو البطل الحقيقي على خشبة –ذاك- المسرح والممثل لأول حركة فلسفية مستقلة، بعد أن انفصلت عن الحركة الكلامية المعتزلية، لتشق طريقاً جديداً «حداثوياً» في الفكر العربي، ولتبلغ مع «ابن رشد» الذّروة في تقديم العقل على النّقل، واختيار الأديب والصحفي السّوري «خليل صويلح» هذا القول ليكون مقدمة كتابه «قانون حراسة الشّهوة» /الصادر عن دار نينوى–دمشق -2015 / لم يكن اختياراً اعتباطياً، ولم يحضره صاحب «جنة البرابرة» للزينة أو للمباهاة –كما يفعل الكثير من أدبائنا الحداثويين!!- بل جاء به مذيلاً باسم قائله، ليقول من خلاله ما أشبه الأمس باليوم، معتمداً على تفاصيل عاشها أو عرفها عن قرب، أو التقى بها وهو يتجول في متاهة المكتبة، وخرائط الكتابة المضادة، وبساتين الشّهوة، في قراءات نوعية لتجارب «ألبرتو مانغول، إدواردوغاليانو، أناييس نن، جان جنيه، فروغ فرخ زاد، غادة السّمان، أدونيس، نزيه أبو عفش، محمد شكري، زكريا تامر، أليف شفق، أمين معلوف» وآخرين، وليضع –من خلال ذلك كلّه- الملح على الجرح، واللذين سنلتقي بهما وجهاً لوجه ونحن عراة، من الصّفحة الّتي تحضر لتأكد «شهوة الكتابة المحرمة»، ولن ينتهي اللقاء/ المواجهة مع النقطة الأخيرة من السّؤال عن «عمل الطّغاة بعد انتهاء مدة صلاحيتهم؟» بل يتعداه إلى مزيد من حرقة الملح، وهو يضع «مثقفي» الحاضر أمام مسؤولياتهم الكبرى بالتخلي عن النقل لمصلحة العقل، وخاصة الذين مازال «السلف الصالح» يتحكم بمؤلفاتهم وتصرفاتهم ومصائرهم، سواءً عن حسن نية أو سوء نية، ظنّاً منهم أنّهم «سفينة نوح» الّتي ستنجي الأمة العربية من طوفان مخلفات العولمة، الّتي استفادت –بدورها- من كلّ ما أنتجته الحضارة الحديثة من وسائل اتصالات وأسلحة، لتكريس تلك التّبعية المجانية معززة بالتمزق والقتل وأصوات الرّصاص، الّتي وقع على عاتقها تشييع تنمية الإنسان بكلّ مقوماته الإبداعية والأخلاقية -في بلادنا- إلى مثواهم الأخير من دون هوية واضحة وممزقة بين علامتي ترقيم جعلا منها جملة اعتراضية بين السّلف والحداثة، من دون أن تأخذ دورها بتوضيح المعنى..
كاتب «ورّاق الحبّ» الّذي كان يرغب أن يكون ذاك التّاجر البغدادي الّذي اخترع له حكاية روائية ليمجّد الحبّ من خلالها، كونه أسّ الإنسان الّذي ينقي الماضي من الشّوائب لإبراز هوية متكافئة مع الحاضر والمستقبل، سوف يلتقي في متاهات المكتبة العربية مع فقهاء كتبوا في اللذة والشّهوات، لكن تلك المخطوطات أصابها التّلف والنّسيان والإقصاء في عفة كاذبة اخترعها فقهاء الظلام الجدد، فحرمونا كنوزاً لا تحصى، وفي المقابل تتملكنا شهوة مضادة في التّمرد على الآباء، ذلك أننا وجدنا أنفسنا في العراء، أمام لحظة زئبقية سائلة، وأخرى معدنية صلبة تحتاج إلى مطارق أخرى لصقلها ومحاكمتها والاشتباك معها بالسلاح الأبيض، هذا الاشتباك الّذي يدعونا «خليل صويلح» إلى خوض غماره ومغامراته مشروطاً على حد قول «الكندي» أن يأتي بالمعنى، جامعاً فيه صواب المراد وحلاوة الإيراد، الأمر الّذي نجده في مجمل أعمال «صويلح» الرّوائية، وسيتوجه بالدعوة إلى الاشتباك أيضاً مع القانون الّذي يقوم بحراسة تلك الشّهوة المضادة للحاضر والمستقبل، فأصبحنا كمن «يتجول بسروال الجينز في سوق الوراقين»..
وصاحب «بريد عاجل» الّذي أذهلته مرارة المشهد وهويته المعلنة وغير المعلنة في أكثر الأحيان سيقودنا، الآن إلى صندوق البريد ذاته لنفتحه بأنفسنا، ونجد بداخله مقالات تجاوزت صحفيتها وصحفها لتكون رسائل/وثائق عن أمراضنا، وهمومنا المعاصرة، وحتى وإن بدا للقارئ -في الوهلة الأولى- عدم تجانسها، إلّا أن المؤلف يريد أن يصل بنا إلى علاقة أنّ أسّ الدواء ينبع من أسّ الدّاء، وإنّ تباعدت مناطق الألم، واختلف الأطباء في تسمياتها، وصاحب «سيأتيك الغزال» كان وضع إصبعه على أصل ذاك المرض الخفي، وعقد العزم على البوح والمكاشفة به وبأسبابه ومسبباته، انطلاقاً من الشّعور بمسؤوليته كمثقف في عصر الضّياع، وإيماناً بدور شهوة الكتابة المحرمة الّتي تتجاوز القيم المبتذلة، وتجعل من كلّ نص منتجاً يشهر السّلاح الأبيض في وجه فقهاء التكفير، لأنّ الشّهوة عند «صويلح» هي قضية فكرية تتماهى بفطريتها حيناً مع الإيروتيكية وحيناً مع القلق الوجودي الإنساني، وكلاهما سوف يقومان بإنتاج أدب غايته مستقبل إنساني أكثر جمالاً.. وقوننتهما، وحراستهما بسياط العفة، وخدش الذّوق العام، هي قوننة للإنسان وفطريته ولن ينتج عن تلك السّياط سوى أصولية تحرم الإنسان من حقه بالعيش على سطح كوكبها الأزرق، لتأخذه إلى بوهيمية فراغ لطالما استجار بها من دون جدوى، وبين هذا وذاك تضيع الحرية، والحق والإنسان، وتتمزق الهوية داخل معترضتين، «والمشكلة دائماً ليست في الطّريق، بل في عجلات العربة، فقبل أن أكتب روايتي «دع عنك لومي» –يقول صاحب «زهور وسارة وناريمان» –: «كنت أتردد إلى حانة قديمة «النورماندي» تطلّ على ساحة يوسف العظمة في وسط دمشق (أغلقت أبوابها لاحقاً لتتحول إلى بنك) هناك اكتشفت أنني إزاء نص مؤجل بوجود أربعة أشخاص يترددون على الحانة نفسها، والمائدة نفسها، بمنطق صعاليك الحداثة لجهة اقتناص الفرص الطّارئة والادعاء الثّقافي، كان هؤلاء الرّافعة الثّقيلة لإنجاز هذا النّص بما يشبه الحمّى، نظراً لغزارة المادة الخام. كان مطلع الألفية الثّالثة ينذر بتحولات حداثية تتهيأ لها البلاد، من بوابة العولمة والحداثة ووسائط الميديا الجديدة، هكذا اقتحمت أجهزة الكمبيوتر المؤسسات الحكومية بصفقات مالية ضخمة تحت بند تطوير عملها، وأتمتة المعاملات الإدارية، لكن الموظفين وجدوا في هذه الشاشات فرصة لممارسة الألعاب المخزّنة في هذه الأجهزة السّحرية، لمقاومة الضّجر، قبل أن تدخل خدمة الإنترنت إلى البلاد، وأبطال روايتي خضعوا للآليات نفسها. أحدهم ارتد فجأة إلى ميراثه البدوي في مواجهة خصومه، وإذا به يستبدل الكيبورد بخنجر، وسيسترشد الآخرون بأسماء قبائل معروفة لإضافتها إلى أسمائهم القديمة كنوع من الحصانة الغائبة والحراشف الّتي تحمي الجلد من هشاشة هويته الأصلية».
والنجاة من تلك «الجنة البربرية» يؤكد «صويلح» في مجمل أعماله وآرائه الظاهرة تارةً والمخفية بين سطور حكاياته تارةً أخرى، ليس بهجر مقبرة الأسلاف بل بابتكار مدونة جديدة تعتمد كلّ ما كان  نظيفاً حاضراً وماضياً، وإن كان من داخل جغرافيتها أو من خارجها، تلك المدونة مطالبة بأقلام مثقفينا، باغتصاب كان وأخواتها على حد قول «الماغوط» وتحرير المعجم مما يثقله ويقيّد حريته تحت بند الفضيلة الكاذبة والتعصب لمآثر السّلف، أو إعادة تدويرها، رغم اختلاف ذهنيّة اللحظة الرّاهنة بآلاف الأميال عن ذهنيّة الأمس. «الآن كيف لي أن أنخرط بمعجم سفينة الصّحراء، وأنا أقود سيارتي في شوارع تزدحم بالأبراج والمولات ومحطات القطارات، ثمّ بغتةً وعند أول منعطف، في محاورة أو مجادلة أو سجال ينبغي عليّ أن أرتدي عباءة جدي السّابع عشر، وأخلع سروالي الجينز وساعتي الرّقمية، وجهازي الخليوي استجابةً لفتوى طارئة، تبثها محطة فضائية، كانت قبل قليل تعرض مجزرة، أو أغنية لمغنيّة خليعة»، وهذا ما يقع على عاتق مثقفي الحاضر اعتماداً على قاعدة «الكندي» والّتي جعلت منه الأب الشّرعي للفلسفة العربية ليكمل أحفاده العالميون مسيرة السّؤال عن جدوى العقل في تحرير الإنسان من رتق عبوديته الكونية..

بيار بيارد: اللعب على تخوم الكتابة

خليل صويلح

يشتغل بيار بيارد في منطقة نقدية بكر. لا يبتكر الأكاديمي والمحلّل النفسي الفرنسي نظرية أدبية، بقدر ما يلهو عند تخوم الكتابة لزعزعة قدسيتها. الأفكار التي يقترحها تتجاوز عملياً الألعاب المسليّة نحو ما يمكن أن نسميه «مشاعية النص» في مواجهة فكرة «موت المؤلف»، وفقاً لمفهوم رولان بارت، أو ميشال فوكو. التحولات التي دشنتها الألفية الثالثة معرفياً، أفسحت المجال أمام مشروعه النقدي المغاير الذي افتتحه بكتاب «كيف نحسّن الأعمال الأدبية الفاشلة» (2000)، مبيّناً أنه ليس بصدد خيانة المؤلفين بقدر عنايته بتغيير بعض مفاصل نصوصهم، التي لا تبدو منسجمة مع المستوى العام لمؤلفاتهم. أما مشروعه الثاني في هذا السياق، فكان «كيف تتحدث عن كتب لم تقرأها بعد» (2007)، وهنا تبدو اللعبة أكثر إثارة. الأمر يتعلّق هذه المرّة بادعاء بعض الكتّاب أو النقّاد قراءة كتاب ما، من دون الاطلاع عليه، عبر تصفّحه على عجل، أو أن يكون قد سمع عنه، أو نسي محتواه، كي لا يعترف بجهله أمام قرّاء يفترضون سلفاً، أن هذا «المثقف» قرأ كل الكتب المعروفة والمغمورة معاً. وهنا ينصح بارتجال رأي نقدي مع بعض الزخرفات العمومية، مستشهداً بأسماء كبيرة كان لدى أصحابها جرأة الاعتراف بعدم اطلاعهم على كتب أساسية في التراث العالمي. ها هو فرانسوا بيغادو يقول «في الحقيقة أنا لم اقرأ «الكوميديا الإلهية» وقد يكون هذا مشكلة كبيرة، إذ انه لا يمر إفطار أو عشاء من دون أن يسألني القراء عن هذا الكتاب، مع ذلك، املك قدراً كافياً من المعلومات التي تمكنني من طرحه على نحو كافٍ والتعريف به في تلك النقاشات المريرة».

في كتابه «ماذا لو غيّرت الأعمال الإبداعية مؤلفيها» (2010) الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية (دار نينوى ــ ترجمة محمد أحمد صبح)، يذهب أبعد في اللعب، حين يتساءل: «ماذا لو استبدلنا مؤلفاً بمؤلف آخر، قد يبدو أكثر ملاءمة للعمل؟». تتيح هذه الفكرة، وفقاً لما يقول، إظهار النصوص تحت ضوء مختلف عمّا ألفناه، مبرراً هذه الممارسة بأنها «دفاعاً عن الحق في التخيّل».
هكذا ينشئ بيارد مخططه في نسف النصوص الأصلية وتغيير نسبها عن طريق «الاستبدال»، وهو بذلك يخضع مفهوم المؤلف للارتياب، كما ستمنحنا التغييرات الجزئية على محتوى كتابٍ ما، مزيداً من الدينامية، قبل أن يكسر حاجز التحريم الذي يقضي بأن لكل عمل مبدعاً وحيداً، ناسفاً مكوّنات الهوية الأصلية للعمل إلى حدود تغيير الشخصيات واللعب بمصائرها على نحوٍ آخر، ليس في الأدب فقط، إنما في حقولٍ أخرى مثل الفلسفة والسينما والموسيقى. هكذا يبدأ عملية الهدم من أكبر قلاع النصوص الكلاسيكية «الأوديسة» وزعزعة يقين القارئ بمؤلفها هوميروس، متكئاً على استنتاجات صموئيل بتلر في كتابه «مؤلف الاوديسة»، بأن من كتب هذا العمل امرأة لا رجل، كما أن نبرتي «الأوديسة»، و«الإلياذة» مختلفتان بصورة محسوسة، إذ تغلب على الرجال في «الأوديسة» مشاغل أنثوية، على عكس ما يحدث في «الإلياذة»، وينصحنا «المؤلف» بمحاولة إعادة قراءة هذا العمل، بناءً على هذه المعطيات الجديدة، ولكن ماذا لو كان شكسبير يحمل اسم إدوارد دو فير، كونت أكسفورد السابع عشر، وليس ابناً لبقّال في ستراتفورد، كما ظننّا طويلاً؟ في كتابه «تعرف هوية شكسبير» يعتمد توماس لوني على أسباب كثيرة تؤكد هذا الاحتمال، نظراً للثقافة الواسعة التي يتمتع بها الكونت، ولا تتواءم مع رجل ستراتفورد، إذ ليس هناك ما يؤهله لكتابة مسرحيات مثل «هاملت»، أو «عطيل»، أو «العاصفة». بالطبع هذا مقترح لا أكثر، ذلك أن هناك شكسبيريين يرفضون هذا الاحتمال، فيما ينافح آخرون عن هذا الاحتمال، مثل فرويد، الذي أولى اهتماماً كبيراً لهذه الأطروحة، وخصوصاً في تحليله لمسرحية «هاملت». ويخلص بيار بيارد إلى أن شكسبير ليس اسم علم بقدر ما هو كناية عن مؤلف خيالي، وتالياً، فإن حلّ لغز المؤلف هو شرط مسبق لقراءة متجددة للأعمال الأدبية الكبرى، وهذا ما يفتح على بابٍ آخر يتعلّق بأعمال حملت تواقيع مستعارة وأسماء وهمية بذرائع مختلفة. في مكانٍ آخر، يقترح نقل تحفة لويس كارول «أليس في بلاد العجائب» من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، نظراً للوشائج المتينة التي تجمعها بالسريالية والتحليل النفسي لفرويد، ما يتيح قراءة مختلفة لها، ومنحها ما تستحق خارج إطار الرواية المسليّة للأطفال.
من التغييرات الجزئية للأعمال ومؤلفيها، ينتقل كاتبنا إلى فكرة أكثر راديكالية حين يضع اسم مؤلف على عمل لمؤلفٍ آخر، مخترعاً وقائع جديدة ومثيرة حقاً، كأن يكتب كافكا رواية «الغريب» بدلاً من ألبير كامو، وأن يكتب تولستوي «ذهب مع الريح» بدلاً من مارغريت ميتشل، وأن يكتب دي. اتش. لورانس «أعمدة الحكمة السبعة»، فيما يستعير ت.ي. لورانس «عشيق الليدي تشاترلي»، وأن يكتب فرويد «الأخلاق» بدلاً من سبينوزا، ويُخرج هيتشكوك «المدرعة بوتمكين» بدلاً من إيزينشتاين. ونحن نقترح: ماذا لو كتب نجيب محفوظ «مدن الملح» بدلاً من عبد الرحمن منيف؟
كلمات
العدد ٢٥٩٦ الجمعة ٢٢ أيار ٢٠١٥

«أفق يتباعد».. كتاب جديد لأماني أبو رحمة عن دار نينوي

صدر حديثًا عن دار نينوى للنشر والتوزيع بدمشق، كتاب «أفق يتباعد: من الحداثة إلى بعد ما بعد الحداثة»، للناقدة الفلسطينية أماني أبو رحمة.
يحتوي الكتاب الذي على قسمين أساسيين: الحداثة ومابعدها ثم مابعد الحداثة، تغير أطروحات مثل التناص والنسوية ومابعد الحداثة والإنسان في مابعد الحداثة والتحليل النفسي وعلاقته بالأدب والثقافة في الحداثة ومابعدها، ثم اتجاهات علم النفس فيما بعد الحداثة، والإعلام الجماهيري وتأثيره بين حقبتين أيضاً ثم دراسة تطبيقية موسعة على أعمال الأديب الكوني الراحل جبرا إبراهيم جبرا بوصفه قد عاش الحداثة وانتقل إلى مابعدها فعلياً وأدبياً.
في القسم الثاني تستعرض الناقدة بعض المفاهيم الثورية التي تعززت في الألفية الثالثة، كمفهوم المكان الذي اقترحه الفيلسوف الألماني المعاصر بيتر سلوترديك في دراسة موسعة تستعرض جملة أعماله ومفاهيمه، ثم مفهوم الهولوكوست وما حظيت به من مكانة في المراحل الثلاث بحيث أصبحت ميزة تتمشى بين الأجيال وانعكاساتها الضممنية والمباشرة على الفن والأدب، ثم مفهوم اجتماعي وهو العنف ضد النساء وكيف تجاوزت التفسيرات النفسية مفاهيم باتت بالية كالفرودية واللاكانية نسبة لفرويد ولا كان، ثم مفهوم الأدب الإليكتروني الذي شاع في الألفية الثالثة.
وتستعرض الباحثة في أطروحة موسعة الأسس الفلسفية للمراحل الثلاثة وماتبعها من انحرافات في النموذج الفكري. وتتناول التحول في التقانات السردية وملامح الجماليات القادمة، وانقلابا في التفسير النفسي للإبداع طرحة العالم النفسي هاجمان عام 2010.

«السفر مع الجن» لجمال محجوب … موسم آخر للهجرة

هيثم حسين
تظلّ العلاقة بين الشرق والغرب موضعَ اهتمام كثير من الروائيّين، لا سيّما أولئك الذين يعيشون في الغرب، إذ أنّهم يغدون همزات وصل، ويشكّلون جسورَ تواصُل بين الحضارات والثقافات. يكون التاريخُ المشترك والحاضرُ المَعيش والمستقبلُ المنشود روابطَ متينة في هذه العلاقة الشائكة المتشابكة. وممّن اشتغل على هذه العلاقة في رواياته، البريطانيّ السودانيّ الأصل جمال محجوب الذي وُلد في لندن وتربّى في الخرطوم، ونشر روايات لاقت قبولاً واستحساناً ، وترجمت إلى لغات. من رواياته: «إبحار صانع المطر» 1989، «أجنحة من الغبار» 1994، «في ساعة العلامات» 1996، «الساعي» 1998، «السفر مع الجنّ» 2003.
يقدّم جمال محجوب في روايته «السفر مع الجن»، (ترجمة أسعد الحسين، نينوى، دمشق2011)، سيرة مهاجر في أوروبا، يرتحل بين جنباتها، ويسوح في مدنها، يستكشف معه جماليات القارّة وأسرارها. يتّخذ محجوب من بطله ياسين ظاهر نموذجاً لعيّنة من المهاجرين العرب في أوروبا، تمتزج في عروق ياسين دماء الشرق والغرب، فوالده سودانيّ وأمّه إنكليزيّة، وهو يعيش في إنكلترا طفولته وشبابه، لكنّه لا يتناسى الجانب الشرقيّ فيه، كما لا يتبرّأ من أصوله، ما يجعله مختلفاً عن غيره في نظر البعض، وإن كان يتّهَم من قبل آخرين أنّه خائن ثقافيّ تنكّر لثقافته وتراثه وتاريخه، وتلبّس الثقافة الغربيّة بعد أن تشرّبها وغرق فيها. يتزوّج ياسين من امرأة إنكليزيّة؛ إيلين، ينجب منها طفلاً يسمّيه ليو، يعيش معها في الريف الإنكليزيّ بضع سنين، وهو الذي كان يفترض به أن يتخرّج إعلاميّاً كبيراً، بحسب ما كان والده يخطّط له، ولا سيّما أنّ والده مالك صحيفة، وكاتب مرموق يتمتّع بسمعة حسنة، وله مواقف مشهودة، ما كان يتسبّب له في الكثير من الإشكاليّات مع السلطة، لكنّه يظلّ متمسّكاً بقناعاته وآرائه، وكان يحلم أن يكمل ابنه ياسين دربه في الصحافة والحياة.
يظلّ ياسين في الريف بضع سنوات، يمارس أعمال الفلاحة والزراعة، تزوره أخته ياسمينة التي تتزوّج من أحد الأثرياء؛ عمر، وهو وريث لشركات ضخمة لها تعاملات مشبوهة مع المتنفّذين والمسؤولين، لكنّه يتبجّح بتمسّكه بقشور التديّن، ويقف عمر مع ياسمينة في موقفها من أخيها، تعاتبه ياسمينة، تندب حظّه وتأسف لضياع مستقبله، وكيف أنّه يبدّد حياته وأحلامه وأحلام أبيه مع إنكليزيّة في الريف، لكنّ ياسين لا يتراجع عن موقفه، ولا يرضخ للضغوطات، ويواظب على وتيرة حياته التي اختارها مع زوجته وابنه، إلا حين يستجدّ أمر معه في سهرة ميلاد عائليّة، إذ تجتمع عائلة إيلين، يلقي كلّ واحد منهم كلمة بالمناسبة، وحين يأتي دور إيلين، تفضح خيانة ياسين لها مع إحدى صديقاتها، ما يتسبّب لها بأذى كبير، وتبوح بنيّتها في الطلاق منه، حينذاك، تتهاوى آخر قلاعه، فيقرّر في لحظة ارتجاليّة أن يأخذ ابنه ليو في رحلة استكشافيّة ويجول به في أرجاء أوروبا. بعد موافقة إيلين، يغادر بسيارته القديمة، مبيّتاً السفر إلى أخيه، لكنّه يعرّج على مدن وعواصم قبل ذلك، يتعرّف فيها إلى أناس جدد، يعرّف ابنه إلى كثير من التفاصيل التاريخيّة والجغرافيّة والفنّيّة، يتحدّث له عن طبيعة المدن التي يمرّ بها، يحاول أن يسبر معه أغوار التاريخ، ويتسلّل إلى مسارب الجغرافيا. يبحث عن جوهر لوجوده وبقائه، وحافز لتهيئة ابنه للحياة القادمة، بخاصّة بعد أن يفقد كثيراً من الأشخاص والأشياء ، يقول: «ليس لديّ أفريقيا خاصّة بي لأهرب إليها حين تفسد حياتي. أوروبا هي قارتي السوداء وأنا أبحث عن قلبها».
يقع لياسين وليو كثير من الأحداث والمواقف، تشكّل بعضها منعطفات تغيّر مسار الرحلة، يزوران المتاحف، يحدّث ياسين ابنه عن الكثير من الشخصيّات التي أثّرت في تاريخ المنطقة والعالم، يوظّف المعارف والعلوم في سبيل تعريف ابنه بالتأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب في مختلف المجالات. يستكمل رحلته التي تتشعّب، يسعى إلى الوصول إلى أخيه ميوك الذي يقيم في بلدة منعزلة في إسبانيا، والذي يخرج من السجن إثر أفعال غير قانونيّة كان يرتكبها. يصل إليه بعد حادث يكاد يودي به وبليو معاً، وبعد ذلك يقيم معه فترة، يتبادلان خلالها العتابات، يتذكّران معاً الأحلام التي كان والدهما يحلم بها لهما، وبخاصّة لياسين الذي يصرّ ميوك على القول بأنّه خذل أباه، حين فشل في أن يحقّق أحلامه. ويكون التناجي الضمنيّ وسيلة للتواصل، إذ يتذكّر ياسين مراحل حياته منذ الطفولة وحتّى تلك اللحظة، ويحلم بمستقبل مختلف لابنه ليو، الذي يريد له أن يكون نموذجاً للمواطن العالميّ الذي يغتني بهويّاته المتعدّدة التي تثري كيانه وتبلور كينونته، وتبقيه قريباً من الكلّ ومندمجاً في محيطه، وذلك لتعدّد الروابط المشتركة.
يحاول محجوب تدوين الثقافة الشفاهيّة التي تعمّ في قارّته أفريقيا، حيث يروج مثل يقول: «حين يموت شخص تتلاشى مكتبة للأبد». لذلك فإنّه يحرص على تدوين الحكايات التي يتمّ تناقلها مشافهة، كما يصوّر الطقوس والعادات التي تعمّ في مناطق نائية من القارّة الأفريقيّة، ويستغرق أحياناً في الحديث عن بعض الشخصيّات التاريخيّة، كأنّه بصدد تقديم سيَر لها تتخلّل سيرة بطله، يرد ذلك على لسان ياسين وهو يتحدّث لابنه عنها، مع إدراكه أحياناً أنّ ليو لا يتفهّم المعنى المراد في بعض الأحيان، وهنا يكون السرد موجّهاً إلى القارئ في شكل مباشر، كأنّ الكاتب يأخذ على عاتقه تعريف الغرب بالشخصيّات الشرقيّة الفاعلة والمؤثّرة في تاريخ الغرب ونهضته وثقافته، أو كأنّه يردّ على المركزيّة الأوروبيّة بتمركز مضادّ، حتّى وإن كان ناشئاً في قلب ذاك الغرب نفسه. كما يبدو أحياناً كمن يريد تقديم استعراض ثقافيّ أو دراسات وترسيمات لأبحاث في الأدب المقارن.
يسعى محجوب إلى إيجاب استيعاب الصدمة الحضاريّة، وإلى إحلال الحوار المنشود محلّ الصراع المرصود الذي يتفشّى هنا وهناك، وهو إذ يشدّد على دور الفنّ والجمال في محاربة التطرّف والعنف، ينقل حضارته وتاريخه، يقدّمه للآخر في روايته، في شكل منسجم متناغم مع ثقافته ووعيه، كما يتعرّف إلى حضارة الآخر ويتشرّبها، ويعرّف ابنه إليها كي يألفها ويعشقها، لأنّ الإنسان يظلّ عدوّ ما يجهل، من دون أن يغفل عن الأدوار السيّئة التي لعبها الغرب كقوّة استعماريّة في المناطق التي استعمرها. ومن دون أن يبحث عن بؤر انتقاميّة تثير الأحقاد، يقدّم رؤاه حول العلاقة التي تظلّ موضع خلاف واختلاف، ولا تفارقه الحيرة إزاء بعض النقاط، ذلك مع محاولته الحثيثة على إيجاد التوافقات والمشتركات.
يتحرّك جمال محجوب تحت عباءة الطيّب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، يبرز تناصّه معه، وذلك في أكثر من نقطة، ابتداء من العنوان الذي يحوي فكرة السفر والارتحال، التي تلعب دوراً محوريّاً في رأب الصدوع، وأحياناً في توسيعها أيضاً، مروراً بشخصيّة ياسين ظاهر التي تلتقي مع شخصيّة مصطفى سعيد في كثير من ملامحها وصفاتها وتصرّفاتها، من حيث الدراسة والزواج وبعض الآراء والتقاطعات، منها مثلاً: على التركيز فكرة الغزو إذ يقول ياسين: «السفر وسيلة لغزو العالم..»، وكان مصطفى سعيد يكرّر: «جئتكم غازياً..». وانتهاء بالخاتمة التي يختارها قريبة إلى حدّ ما من خاتمة الطيّب صالح، ولا سيّما في فكرة السباحة في النهر، أو محاولة عبوره، والبقاء في تلك البقعة المائيّة ساعياً إلى العبور، ومرتبطاً إلى الجذور في الوقت نفسه. إلاّ أنّ بطل محجوب يظلّ مهاجراً في قلب القارّة الأوروبيّة، يحتفظ من أبيه ببعض الذكريات، آلة الكاتبة وكتب، ينقلها إليه الموج، وهو بدوره يعاود التدقيق فيها، يستكشف فيه ماضيه وحاضره ومستقبله، ويبيّت نيّة توريثها لابنه الذي يرتحل مع أمّه في رحلة حياته القادمة. وهذا لا يعني أنّ محجوب استنسخ الفكرة أو طوّرها، بل يمكن القول إنّه قدّم وجوهاً أخرى لتلك العلاقة التي تظلّ محفوفة بالكثير من الإشكاليّات بين شمالٍ يجدّد شبابه وجنوب يهمل شبابه.

جريدة الحياة الثلاثاء, 27 سبتمبر 2011

تقنيات الصحافة المسموعة والمرئية: نظرة على خبايا “السلطة الرابعة”

الطيب ولد العروسي

صدر للخبير الإعلامي الدكتور رياض معسعس، كتاب بعنوان: ” تقنيات الصحافة المسموعة والمرئية” في دمشق، عن منشورات “دار نينوى”

يقع الكتاب في 292 صفحة من الحجم الكبير، ويحتوي على مقدمة وسبعة فصول وملحق “بالمصطلحات التقنية” الإعلامية باللغات الفرنسية والعربية والانجليزية.

كما نجد أن أغلب الفصول مصحوبة بصور وجداول ورسوم بيانية تسهم في تعزيز الشروح التي يعتمدها الباحث في عمله العلمي المبني على معطيات وأسس وقواعد ومقاييس متعارف عليها دوليا، إضافة إلى الحث على بلورة إستراتيجية مدروسة ومنظمة تجيب على الكثير من الأسئلة من ضمنها، لماذا هذه الصحيفة أو هذه الفضائية؟

ما المنتظر منها أن تقدمه كإضافة نوعية في ميدان الفضائيات، أو في الميدان الإعلامي، من ناحية المضمون والمهنة؟ وما هي السياسة التي تعتمدها هذه الفضائية أو تلك لكي تبني إشعاعا إعلاميا، وتصل إلى أهدافها المرجوة؟

إذ من السهل بناء أو فتح مؤسسة إعلامية، لكن من الصعب بناء نظرة إعلامية بديلة أو مميزة في عالمنا العربي بالدرجة الأولى، وما أكثر القائلين اليوم: “اعطني أموالا أفتح لك مؤسسة إعلامية”، لكن من دون أي التفات إلى صدقية الإجابة على السؤال ما هي الإضافات النوعية والتقنية والمهنية التي تحققها؟

ولا حتى الالتفات إلى هذا هو السؤال الذي على المؤسسات الإعلامية العربية أن تُجيب عليه، لكي تضمن لنفسها حداً أدنى من الشرعية والصدقية، فمن خلال هذه الإجابة يمكن بناء مؤسسة إعلامية علمية مدروسة ومتقنة.

هذا باختصار ما يطالب به الدكتور رياض معسعس، صاحب التجربة الغنية في ميدان الإعلام، والذي يعرف عن كثب كيفية عمل عدد كبير من المؤسسات الإعلامية والفرنسية والعربية، فقد عمل فيها وخبِرها وكان وراء تأسيس بعضها فأهّلته خبرته لكي يقارن بين واقع الإعلام العربي الفوضوي وبين ما يُرتجى ويؤمَل أن يكون عليه هذا الإعلام، بين “مدرستين” إن صح التعبير: مدرسة الارتجال والفوضى، ومدرسة التنظيم والبناء المدروس.

فهو بالإضافة إلى تخصصه وتجربته الغنية وتنقله في مهمات إعلامية مختلفة، صحافي متمرّس، تجلّت خبرته النظرية والعملية في وضع هذا الكتاب المرجعي الذي لا وجود له حتى الآن في المكتبة العربية. ولذا لم يحتج المؤلف إلى الإشارة إلى مراجع في آخر مؤلفه، لأنه يحفظ قواعد المهنة، وأراد لكتابه أن يكون دليلاً عملياً يفيد القارئ والمهني العربي.

ولذا فإن كتابه يعتبر المرجع الأول في هذا الميدان لكل طالب أو طالبة في الإعلام، بل يعتبر مصدرا مهما لكل من يريد أن يتعرف على خبايا ومسالك “السلطة الرابعة”.

كتاب الدكتور رياض معسعس هو بمثابة ” دليل ومنهاج عمل للصحافي ورئيس التحرير ومعد النشرة والمحرر والمخرج والطالب الراغب في ولوج عالم الصورة والصوت واحتراف الرسالة الإعلامية المرئية والمسموعة التي تُجِلُّ المعايير الصحافية الحديثة وتستفيد من التكنولوجيا المتطورة في عالم الاتصال المرئي والمسموع، وتجتذب المشاهد الذي يمتلك “سلاحاً خطيراً” هو جهاز التحكم الذي يسمح له بـ”الانتقال من محطة إلى أخرى بكبسة زر”.

كما يشدّد المؤلف في مقدمة كتابه على “الطلب الملح على الخبرات العربية”، منوها بأنه “في بعض الأحيان تمت الاستعانة ببعض الذين جاؤوا من مشارب واختصاصات أخرى لا تمت للإعلام بصلة وأسندت إليهم مهمات أرفع من مستواهم المهني والفني والفكري مما أدى إلى انخفاض مستوى الأداء بدرجة كبيرة بل أن هيبة المهنة ووقارها باتتا محط سؤال كبير”.

ويفسّر المؤلف، وهو الخبير في ميدان الإعلام، “حاجة المجتمعات العربية إلى إعلاميين مهنيين يحترفون مهنة الصحافة المسموعة والمرئية أي الإذاعة والتلفزيون تعاظمت بسبب ظهور الفضائيات العربية وانتشارها على عجل وعلى نحو فوضوي، فراحت تستقطب من كل فج عميق أفضل ما توافر من الخبرات العربية في هذا المجال لسدّ النقص الذي ظهر فجأة في الساحة الإعلامية العربية التي اكتشفت الضرورة الملحة لمثل هذه الفضائيات، وبخاصة بعد حرب الخليج الثانية”.

يخصص المؤلف الفصل الأول لمناقشة “تطور وسائل الإعلام” الذي يحتوي على الرسالة الشفوية والرسالة المكتوبة، والوسائل السمعية البصرية، إذ يقول المؤلف ” كانت الصورة في البدء أبسط أشكال التعبير.

وكانت تشكل لغة ضمن مفاهيم محددة، وظلّت الصورة برغم ظهور الكتابة الأبجدية، محافظة على وظيفتها ومكانتها” لكن لغتها تطورت ولازمت النص الأبجدي، ففي جميع الحضارات كانت الصورة “تعكس طبيعة الحضارة التي ولدت فيها وتؤرخ مراحل تطورها”.
وخصص المؤلف الفصل الثاني لمناقشة “فنيات صياغة الأخبار”، وأهمية الخبر والتركيز على الأولويات في صياغته، أي لكل الآليات التي توظف من أجل بلورة وترتيب الخبر، الذي يبدأ الصحافي نشرته به.

أما الفصل الثالث فقد خصصه “للنشرات الإخبارية” التي يعتبرها المؤلف “العمود الفقري في القنوات الإخبارية وحتى العامة منها، فلها مواعيد محددة محترمة بدقة” ويُراعى فيها ترتيب الأحداث بدقة صارمة ومدروسة، وهي تحتوي على أبواب موزعة بإتقان مثل المقابلات الصحافية وصياغة القوانين، واختيار الموسيقى التي تصاحب النشرة، والصور وكيفية معالجتها ومؤامتها مع الخبر.

يتناول الفصل الرابع “التقرير الإخباري” في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وأهمية اعتماد التقنيات الحديثة هذه الوسائل. على أن المؤلف يولي الأهمية الأولى في الصحافة المسموعة لتقنيات الصحافي الشخصية كأن يكون متمكناً من اللغة التي يستخدمها قادراً على التحكم بها.

أما الصحافة المرئية فهي تتطلب تقنيات أكثر تطورا وابتكارا، وهذا ما انعكس مباشرة على النص التلفزيوني الذي يأخذ بعين الاعتبار اللغة الجديدة، أي لغة الصورة. كما يبين المؤلف أهمية التقرير الإخباري الذي يعتبره “عماد النشرات الإخبارية، فبدونه لا يمكن إخراج نشرة إخبارية بالمعنى الصحيح للكلمة”.

وهو ككل الفصول السابقة يعتمد على تقنيات مختلفة خاصة به مثل الكتابة للصورة، العوامل الزمنية، تقرير صالة الأخبار، مراحل الإعداد، صور الأرشيف، أشكال التعبير، الخبر العاجل، إلى غير ذلك من أبواب مهمة يجب معرفتها وإتقانها حتى ينجح رئيس التحرير أو المسئول عن التقارير الإخبارية لإنجاح المؤسسة وجعلها تدخل بيوت الناس من دون أن يملوا منها أو يستعملوا “كبسة الزر” ليتحوّلوا إلى قنوات أخرى..

في الفصل الخامس وهو بعنوان: “المقابلات”، يرى الدكتور رياض معسعس بأن المقابلات “الأحاديث الصحافية مع المسئولين والشخصيات والفنانين وأفراد الشعب العاديين أو المتميّزين، الخ..” هي “إحدى فنون الصحافة المكتوبة والسمعية والبصرية، ولا غنى غنها في العمل الإخباري، أو التثقيفي، أو الترفيهي، فهي وسيلة هامة لإبداء الرأي، أو التأكد من معلومة ما..”.

هنا يحدثنا المؤلف عن أنواع المقابلات، والأوقات المخصصة لها، بالإضافة إلى تقنيات العمل فيها، ولغة الحوار التي يجب اعتمادها والتي يجب أن تكون سهلة وفي متناول أكبر شريحة اجتماعية من المستمعين والمشاهدين.

أما الفصل السادس وهو بعنوان: “تقطيع الصور” “”المونتاج”” فهو يخاطب الإعلاميين الفنيين والصحافيين المحترفين، وهو مبني على مجموعة من التقنيات الصارمة التي يجب أخذها بالحسبان، لأن المونتاج مرحلة أساسية في انتقاء اللقطات وتنضيدها وترتيبها، ثم إخراجها في قالب متراص ومنطقي، فمن الضروري أن يتقن الصحافي أساليب المونتاج. في هذا الفصل يتناول المؤلف استخدام تقنية الكاميرا التي هي بمثابة “القلم في يد الصحافي” على حدّ تشبيهه لها.

أفرَدَ المؤلف الفصل السابع من كتابه لـ”فن الإلقاء” وشدّد فيه على الصوت وبخاصة السمع وجهاز النطق عند الإنسان. فعلى الصحافي العامل في الصحافة المسموعة عليه أن يتحلّى بصوت رخيم وان تكون مخارج الحروف لديه سليمة وقادرا على التنقل من طبقة صوتية إلى أخرى، وأن يتقن اللغة العربية اتقانا جيداً.

ويشرح المؤلف بطريقة بيداغوجية في هذا الفصل كيفية عمل جهاز النطق وكيفية تقطيع النص، كما يورد مجموعة من التمارين التي تساعد الصحافي على إتقان قواعد النطق في الجملة والتنفس وقواعد قراءة الكلمة مدعما إياها بمجموعة من العوامل الضرورية للمذيع والإعلامي ليعرف كيف يتوجه للمستمعين أو المشاهدين.

من لطائف المؤلّف أنه يبدأ كل فصل من فصول الكتاب بمقولة لكاتب عربي أو غربي، تعبّر عن الجانب الأخلاقي والمعنوي في العمل الصحافي التقني، أو تذكِّر به. كما أنه ذيَّل أغلب فصوله ببعض التمارين المفيدة للقارئ سواء كان صحافياً أم لا، وأثبت المصطلحات الإعلامية باللغتين الفرنسية والانجليزية.